في قريتي الصغيرة، الواقعة على أطراف الشمال الشرقي، يرتبط موسم الحج بمشهد يتكرر كل عام حتى أصبح جزءًا من ذاكرة الناس وتفاصيل حياتهم. مع اقتراب أيام الحج، تبدأ البيوت بتوديع أبنائها الذين يتم انتدابهم للمشاركة في خدمة ضيوف الرحمن؛ هذا في الأمن، وذاك في الحرس، وآخر في الجيش، وغيرهم من الممرضين والمسعفين والعاملين في مختلف القطاعات. مشهد تعرفه قريتنا جيدًا، كما تعرفه قرى ومدن المملكة كلها، حين يتجه آلاف الشباب السعوديين إلى مكة والمشاعر المقدسة حاملين شرف الخدمة ومسؤولية العطاء.
يخرجون مع الفجر، تسبقهم دعوات الأمهات، وتمضي معهم وصايا الآباء المليئة بالفخر والاعتزاز. لا يذهبون بوصفهم موظفين يؤدون مهمة عابرة، وإنما أبناء وطن تربى على أن خدمة الحجاج قيمة عظيمة ومكانة رفيعة. يحمل كل واحد منهم شعورًا داخليًا يصعب وصفه؛ شعور الإنسان الذي يعرف أنه يشارك في عمل تمتلئ به القلوب قبل الميادين. هذا التقليد السنوي يعزز الروابط الأسرية والوطنية، حيث يغادر الشباب مع دعوات الأمهات وفخر الآباء، ويحملون شعورًا عميقًا بأنهم يؤدون رسالة وطنية وإنسانية لا مجرد وظيفة.
تمضي أيام الحج بين الزحام والتعب والساعات الطويلة تحت الشمس، ثم تعود القافلة إلى القرية. يعودون بأجساد أنهكها العمل، وبقلوب أكثر امتلاءً بالرضا. يجتمع الناس حولهم ليستمعوا إلى الحكايات التي لا تشبه أي حكايات أخرى؛ عن حاجٍ بكى لحظة وصوله إلى الكعبة، وعن امرأة مُسنّة وجدت من يحمل عنها مشقة الطريق، وعن طفلٍ صغير احتضنه جندي ورفعه عالياً وسط الزحام. تلك الحكايات تملأ القرية بالفخر وتذكر الجميع بقيمة العطاء.
تلك التفاصيل الصغيرة تمنح أهل القرية شعورًا عظيمًا بالفخر. يرون أبناءهم وقد عادوا بوجوه غيّرتها شمس المشاعر، وبملامح اختلط فيها الإرهاق بالسكينة، فيزداد الحديث عن الوطن الذي سخّر أبناءه لخدمة ملايين البشر، وعن القيادة التي جعلت خدمة الحجاج رسالة تتوارثها الأجيال بكل اعتزاز. يعود هؤلاء الشباب منهكين جسديًا لكن ممتلئين بالرضا، حاملين قصصًا إنسانية تبقى في الذاكرة.
في قريتي، كما في كل قرية ومدينة سعودية، يرتبط الحج بمعنى أعمق من السفر والعمل. يرتبط بصورة الإنسان السعودي وهو يقف بين الحجيج، يمنح وقته وجهده وقلبه بكل إخلاص. ولهذا، حين يعود أبناؤنا من المشاعر، نشعر أنهم عادوا من شرفٍ كبير، ومن تجربة وطنية وإنسانية تبقى في الذاكرة طويلًا. هذا التقليد السنوي يذكرنا بأهمية العطاء والتضحية في سبيل خدمة الآخرين، ويجسد أسمى معاني الوحدة الوطنية والإنسانية.



