بين الأمن الوطني والأمن القومي: أيهما أكثر ضماناً للدولة؟
بين الأمن الوطني والأمن القومي: أيهما أكثر ضماناً؟

منذ نشوء الدولة القومية الحديثة في نهاية النصف الأول من القرن السابع عشر، عقب توقيع صلح وستفاليا عام 1648، كان هاجس الأمن يشكل مصدر القلق الرئيس لكيان الدولة. هذا القلق الأمني ينبع بصورة أساسية من البيئة الخارجية للدولة، ويتخذ شكلين: خطر مباشر يتمثل في الاقتحام بهدف الاحتلال أو سلب الهوية الوطنية والسيادة، وخطر غير مباشر يتمثل في محاولة زعزعة الأمن الداخلي والنظام السياسي.

الأمن الوطني في مواجهة التهديدات

في كل الأحوال، تظل الدولة متوجسة من خطر داهم على أمنها الوطني واستقلالها السيادي، وتسعى لتعزيز أمنها عبر المشاركة في كيانات إقليمية أمنية جماعية. لكن هذا النهج الدفاعي الإقليمي لا يضمن بالضرورة رادعاً أمنياً فعالاً، خاصة إذا كانت هذه الكيانات تفتقر إلى إرادة سياسية جماعية قابلة للتفعيل، كما هو الحال في معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي الموقعة في القاهرة في 18 يونيو 1951، والتي بقيت حبراً على ورق.

التجارب الدولية في الأمن الجماعي

حتى في ظل التحالفات الاستراتيجية الكبرى مثل حلف الناتو (تأسس عام 1949) وحلف وارسو (تأسس عام 1955)، لم يتمكن الأعضاء من التخلص من هاجس الأمن. ففي عهد الحرب الباردة، كان بعض الأعضاء الرئيسيين في المعسكر الغربي ينتابهم قلق من الاعتماد الكلي على المظلة النووية الأمريكية، خوفاً من أن لا تضحي واشنطن بأمنها لنجدة حلفائها. هذا ما دفع بريطانيا وفرنسا إلى امتلاك رادع نووي خاص بهما. بالمثل، أنشأت الصين رادعها النووي الخاص، رغم العلاقة الأيديولوجية مع الاتحاد السوفيتي، أخذاً بالمثل القائل: "لا يحك جلدك مثل ظفرك".

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الدروس المستفادة من التحولات الأخيرة

في الآونة الأخيرة، تفوق الحس الأمني الوطني على وهم الحماية الجماعية، عندما أعلنت الولايات المتحدة عزمها التخلي عن التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها الأوروبيين بنهاية العام القادم، وفقاً لورقة الاستراتيجية الأمنية الجديدة الصادرة في 4 ديسمبر 2025، والتي تنفذ استراتيجية الرئيس ترمب تحت شعار "أمريكا أولاً" و"عودة عظمة الولايات المتحدة".

الخلاصة: الأمن الوطني هو الأساس

باختصار، ليس هناك ضمانة أمنية حقيقية في الأمن القومي الإقليمي أو الدولي، مهما كانت المكاسب التكاملية في الاقتصاد والتنمية والاجتماع والحضارة. الضمان الأمني الحقيقي يعتمد أولاً وقبل كل شيء على إمكانات القوة الذاتية للدولة لتحقيق أمن وطني ذي اعتمادية فعالة وكفؤ، لا على وهم الأمن القومي تحت شعار الدفاع الجماعي المشترك.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي