العلاقات الإيرانية الروسية لها تاريخ ليس بالضرورة حافلاً بالإيجابية، حيث اعتبر مرشد الثورة الإيرانية الأول، روح الله الخميني، أمريكا "الشيطان الأكبر" والاتحاد السوفييتي "الشيطان الأصغر". لكن منذ عام 1991، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وإخراج القوات المشتركة لصدام حسين من الكويت، أخذت العلاقات منحنى أكثر إيجابية بفضل المصالح المشتركة، خاصة تلك التي تخلقها المخاطر المشتركة.
تاريخ من التعاون والريبة
ظلت الريبة موجودة تسير جنباً إلى جنب مع مسارات التعاون، والتي بلغت ذروتها في عام 2015 عندما تدخلت القوات الروسية لحماية نظام بشار الأسد في سوريا، وذلك بطلب من قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري آنذاك. واستمر التعاون حتى عام 2022، حين أمدت طهران موسكو بمسيّرات انتحارية من طراز "شاهد" لاستخدامها في حرب أوكرانيا، ومنحتها لاحقاً صلاحية تصنيعها وتطويرها داخل روسيا.
لكن الريبة استمرت، على سبيل المثال، من خلال التعاون الروسي المستمر مع إسرائيل في سوريا، مما سمح لإسرائيل باستهداف أهداف إيرانية دون تدخل من الدفاعات الجوية الروسية. وبطبيعة الحال، فإن قائمة خيارات إيران قصيرة للغاية، خاصة مع خضوعها للعقوبات الغربية.
تساؤلات حول الدور الروسي في الحرب الأخيرة
خلال الأسابيع الماضية، ومنذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا، دارت تساؤلات حول روسيا: هل هي المستفيد الأكبر من الحرب؟ وهل هي السند الحقيقي لإيران، خاصة عسكرياً واستخبارياً؟
هذا السؤال، عندما طرح في طهران، لا بد أنه تناول نموذجي 2003 و2011، حين لم تكن روسيا الحليف الذي يمنع سقوط أنظمة صديقة في العراق وليبيا. بل إن العامين الماضيين شهدا هذا السؤال بشكل أكثر إلحاحاً: هل تحولت روسيا من حليف عسكري داعم لبشار الأسد إلى مجرد ملجأ له؟ وهل يمكن التعويل عليها بعد أن خرج حليفها نيكولاس مادورو من المشهد الفنزويلي بغمضة عين؟
الاتفاق الاستراتيجي بين البلدين
ربما يعيدنا هذا إلى الاتفاق الاستراتيجي الموقع بين البلدين في يناير 2025، والذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 بعد حرب الاثني عشر يوماً. وقد خلا هذا الاتفاق من بند الدفاع المشترك، على عكس الاتفاقية الروسية مع كوريا الشمالية. وجاءت صياغته محدودة: "إذا تعرض أحد طرفي المعاهدة للعدوان، فإن الطرف الآخر لن يقدم أي مساعدة عسكرية أو غيرها للمعتدي بما يطيل أمد العدوان".
زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى روسيا
زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سانت بطرسبرغ قبل أيام لا يعتقد أنها لأسباب عسكرية، فطهران تعلم أن روسيا لن تزودها بجنود أو أسلحة متطورة، حتى لو زودتها بمعلومات استخباراتية وصور أقمار صناعية. لكن الزيارة تهدف إلى توجيه رسائل لواشنطن حول خيارات إيران، وتقديم دعم دبلوماسي في ظل عدم قدوم جاريد كوشنير وستيف ويتكوف إلى إسلام آباد.
المصالح الروسية والإيرانية
روسيا قد تبدو مستفيدة على المدى القصير من زيادة صادراتها النفطية والإعفاءات الأمريكية، مما يسهم في زيادة النقد الأجنبي وتخفيف الضغط على ميزانيتها، وهو ما يخدمها اقتصادياً وفي حرب أوكرانيا. لكن حرباً طويلة ليست في مصلحتها، وسقوط النظام الإيراني سيمثل في الوجدان السوفييتي حالة سقوط جدار برلين، فإيران جار جنوبي ودولة كبيرة، وأي نظام بديل لن يكون صديقاً للكرملين.
روسيا تلوح لواشنطن بأنها قد تكون الوسيط الأقدر من باكستان على تقديم ضمانات وإقناع إيران بتسليم اليورانيوم عالي التخصيب. وما أشبه اليوم بالبارحة، حيث وعد بوتين أوباما في 2013 بتقديم ضمانات وإخراج الأسلحة الكيماوية من سوريا بعد هجوم الغوطة، ولم يتغير شيء إلا ساكن البيت الأبيض.
أصوات عدم الثقة الإيرانية
من الجانب الإيراني، ظهرت أصوات عدم الثقة في روسيا للعلن، سواء عبر تصريحات الرئيس الإيراني بعد حرب الاثني عشر يوماً بأن الدول الصديقة لم تساندهم، أو ما قاله نعمة الله إيزدي، أول سفير إيراني لروسيا، لصحيفة "شرق": "ستضطر موسكو لا محالة للإجابة أمام التاريخ عن هذا الصمت". كما وردت انتقادات من علي مطهري، نائب رئيس البرلمان السابق، ومحمد صدر من مجلس تشخيص مصلحة النظام، حول امتناع موسكو عن بيع منظومة إس-400 لطهران.
إدارة الانطباع الإعلامي
روسيا تُحسن إدارة الانطباع إعلامياً، حيث تريد التموضع كلاعب مهم يمكنه إدارة أكثر من ملف، وتقديم باقة لترمب تنهي الصداع الإيراني والأوكراني معاً، مما يخفف ضغط العقوبات عليها. ومن الجانب الإيراني، تراقب دوائر القرار سحب روسيا لموظفيها من معامل بوشهر والتأخر في تسليم أسلحة متفق عليها، مما يطرح السؤال: هل استخدام الفيتو في مجلس الأمن هو الثمن الحقيقي للعلاقة؟



