في السابع من أبريل عام 2022، أعلن الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، في واحدة من أبرز اللحظات السياسية في تاريخ اليمن الحديث. اعتبر مؤيدوه هذه الخطوة موقفًا سياسيًا مسؤولًا يهدف إلى إعادة ترتيب المشهد الوطني، بينما رأى فيها آخرون نهاية لمرحلة طويلة اتسمت بالصراعات والانقسامات والتحديات المعقدة.
جاء القرار في توقيت بالغ الحساسية، بعد سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي والتدهور الإنساني، وفي ظل حالة من التشظي السياسي والعسكري التي أثقلت كاهل الدولة اليمنية، وجعلت البلاد تواجه واحدة من أصعب مراحلها منذ عقود.
انتقال سياسي في لحظة حرجة
أعلن الرئيس هادي، خلال مشاورات يمنية - يمنية استضافتها العاصمة السعودية الرياض برعاية مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إنشاء مجلس قيادة رئاسي وتفويضه كامل صلاحياته الدستورية لإدارة المرحلة المقبلة. ضم المجلس عددًا من القيادات السياسية والعسكرية اليمنية، في محاولة لتوحيد الصفوف وإعادة هيكلة القوى المناهضة لجماعة الحوثي، ضمن رؤية هدفت إلى الانتقال من مرحلة القيادة الفردية إلى صيغة جماعية أكثر قدرة على إدارة التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
أكد البيان الرئاسي أن القرار استند إلى دستور الجمهورية اليمنية، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني اليمني، إضافة إلى الالتزام بمبدأ التداول السلمي للسلطة والحفاظ على مؤسسات الدولة. رغم الجدل الذي رافق القرار، اعتبر كثير من المراقبين الخطوة تعبيرًا عن إدراك سياسي بأن استمرار الأزمة اليمنية يتطلب إعادة صياغة أدوات إدارة الدولة وخلق حالة من التوافق الوطني الأوسع لمواجهة التحديات المتراكمة.
من هو عبدربه منصور هادي؟
يُعد عبدربه منصور هادي أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في اليمن خلال العقود الأخيرة، إذ شغل مناصب عديدة منذ سبعينيات القرن الماضي، وكان نائبًا للرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح لسنوات طويلة، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية عام 2012 ضمن المرحلة الانتقالية التي أعقبت الاحتجاجات الشعبية في اليمن عام 2011. وصل هادي إلى السلطة في ظروف استثنائية، إذ كانت البلاد تعيش حالة من الانقسام السياسي والأمني، وسط انهيار اقتصادي وتوترات اجتماعية واسعة، ما جعل مهمته منذ البداية مرتبطة بإدارة مرحلة انتقالية معقدة تهدف إلى إعادة بناء الدولة وصياغة مستقبل سياسي جديد لليمن.
تحديات حكم غير مسبوقة
واجهت رئاسة هادي سلسلة من التحديات المتصاعدة، كان أبرزها سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء عام 2014، وما تبع ذلك من انهيار مؤسسات الدولة ودخول البلاد في دوامة الحرب. في عام 2015، غادر هادي العاصمة بعد تصاعد الأحداث الأمنية، قبل أن يطلب تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لدعم الشرعية واستعادة مؤسسات الدولة. منذ ذلك الوقت، أصبحت اليمن ساحة لصراع سياسي وعسكري معقد، تشابكت فيه الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، وسط تدهور اقتصادي كبير وأزمة إنسانية وُصفت بأنها من الأسوأ عالميًا. خلال تلك السنوات، واجهت الحكومة اليمنية تحديات ضخمة تمثلت في تراجع الخدمات الأساسية، وانهيار العملة، واتساع رقعة الفقر، وتعقيدات المشهد العسكري، فضلًا عن الخلافات بين القوى السياسية والعسكرية المنضوية تحت مظلة الشرعية.
هل كان القرار تخليًا عن السلطة؟
يرى أنصار الرئيس هادي أن قراره بنقل السلطة لم يكن هروبًا من المسؤولية، بل خطوة تعكس قناعة بأن مصلحة اليمن تتطلب تقديم حلول سياسية جديدة تتجاوز الحسابات الشخصية. يؤكد هؤلاء أن الرجل اختار، في لحظة شديدة التعقيد، أن يضع مستقبل الدولة فوق أي اعتبارات أخرى، وأن ينقل السلطة بصورة سلمية ومنظمة، في وقت كانت فيه المنطقة تعيش تحولات كبيرة. كما يعتبر مؤيدوه أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي منح القوى اليمنية فرصة جديدة لإعادة ترتيب أولوياتها، وتوحيد القرار السياسي والعسكري، وفتح المجال أمام شراكة أوسع في إدارة الدولة. في المقابل، يرى منتقدو هادي أن سنوات حكمه شهدت إخفاقات كبيرة، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي، وأن الأزمة اليمنية تفاقمت خلال تلك المرحلة بصورة غير مسبوقة. ويحمّل بعض خصومه الإدارة السابقة مسؤولية حالة الانقسام داخل مؤسسات الشرعية، إضافة إلى ضعف الأداء الحكومي وعدم القدرة على استعادة مؤسسات الدولة رغم الدعم الإقليمي والدولي.
مشاورات الرياض.. نقطة التحول
مثّلت مشاورات الرياض عام 2022 نقطة تحول رئيسية في المشهد اليمني، إذ جمعت مختلف المكونات السياسية والقوى الفاعلة لمناقشة مستقبل البلاد وآليات توحيد الجهود. جاء الإعلان عن مجلس القيادة الرئاسي بوصفه مخرجًا سياسيًا يهدف إلى تجاوز الخلافات الداخلية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد القرار العسكري والأمني تحت مظلة واحدة. كما هدفت الخطوة إلى تعزيز فرص السلام، وتهيئة الأجواء لأي تسوية سياسية مستقبلية يمكن أن تسهم في إنهاء الحرب المستمرة منذ سنوات.
مجلس القيادة الرئاسي.. آمال وتحديات
منذ تشكيله، واجه مجلس القيادة الرئاسي تحديات ضخمة، أبرزها الملف الاقتصادي، وتحسين الخدمات، وتوحيد القوى العسكرية، إضافة إلى التعامل مع التعقيدات السياسية الداخلية والخارجية. يرى محللون أن نجاح المجلس يعتمد على قدرته على بناء مؤسسات فاعلة، وتحقيق قدر من التوافق بين مكوناته المختلفة، إلى جانب استعادة ثقة الشارع اليمني الذي أنهكته سنوات الحرب والمعاناة. كما يواجه المجلس تحديات مرتبطة بتحقيق الاستقرار الأمني، وتحسين الوضع المعيشي، وخلق بيئة مناسبة لأي عملية سياسية شاملة يمكن أن تنهي الأزمة اليمنية.
مرحلة ستبقى محل جدل
رغم مرور سنوات على قرار نقل السلطة، فإن مرحلة الرئيس عبدربه منصور هادي لا تزال تثير جدلًا واسعًا داخل اليمن وخارجه. فبين من يراه رئيسًا واجه ظروفًا استثنائية تفوق قدرة أي قيادة سياسية، وبين من يعتبر أن فترة حكمه شهدت أخطاء وإخفاقات كبيرة، تبقى الحقيقة أن اليمن عاش خلال تلك السنوات واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا واضطرابًا. لكن المؤكد أن قرار نقل السلطة عام 2022 سيظل محطة سياسية مفصلية في تاريخ اليمن، باعتباره أول انتقال منظم للسلطة خلال سنوات الحرب، ومحاولة لإعادة صياغة المشهد السياسي عبر قيادة جماعية تسعى لاستعادة الدولة وإنهاء الانقسام. في ظل استمرار التحديات، يبقى السؤال الأهم لدى اليمنيين: هل تستطيع المرحلة الجديدة تحقيق ما عجزت عنه السنوات الماضية، أم أن الأزمة اليمنية ما تزال بحاجة إلى توافقات أعمق وحلول أكثر شمولًا لإنهاء الصراع؟



