التقاعس الوظيفي: وجه آخر للفساد يستوجب المحاسبة والمراجعة
في ظل التطورات المستمرة في المملكة العربية السعودية، تبرز قضية اجتماعية وإدارية ملحة تتعلق بتقاعس بعض الموظفين عن أداء واجباتهم الوظيفية، وهو ما يعتبره كثير من المراجعين شكلاً خفياً من أشكال الفساد. ففي مقال سابق، تمت مناقشة هذا الموضوع الذي يعد من أهم القضايا الراهنة، حيث يشعر العديد من المواطنين أن هناك تردداً واضحاً لدى بعض العاملين في القطاع العام في تحمل المسؤولية وإنجاز المعاملات، خاصة تلك التي تتطلب اتخاذ قرارات حاسمة.
أسباب التقاعس وآثاره السلبية
يرجع هذا التردد في كثير من الأحيان إلى خوف الموظفين من تحمل المسؤولية والمجازفة، معتقدين أنهم قد يتعرضون للمساءلة في المستقبل، حتى لو كانت الاحتمالات ضئيلة. مثل هذا السلوك يعكس تركيزاً على الذات وعدم اكتراث بمصالح الآخرين، حيث يسأل الموظف نفسه: "لماذا أكلف نفسي قلقاً وأحمل هم اتخاذ القرار، بينما يمكنني تجنبه؟". وهذا الموقف يتناقض مع الامتيازات التي يحصل عليها الموظف، مثل الرواتب المجزية والمكاتب المكيفة والخدمات المساندة، والتي تفرض عليه بدورها تحمل المسؤولية القيادية واتخاذ القرارات التي تخدم الصالح العام.
إذا كان الموظف مصراً على الخوف والتقاعس، فإن عليه أن يتنازل عن هذه الامتيازات ويبتعد عن المنصب، بدلاً من أن يعيق سير العمل ويؤثر سلباً على حياة الناس. فالتقاعس عن أداء الواجبات، بغض النظر عن المبررات، هو ضرب من ضروب الفساد الذي يجب على الجميع محاربته والإبلاغ عنه.
ضرورة المراجعة والمحاسبة
على المديرين تحمل مسؤولية مراجعة إنجازات الموظفين تحت إدارتهم، وضمان كفاءة أدائهم. كما أنه من الجميل وجود جهة متخصصة لمراجعة سير المعاملات، وتحديد تلك المتعثرة أو المؤجلة أو المجمدة، مع توضيح أسباب ذلك. فليس كل صاحب حق قادر على متابعة معاملته، خاصة في ظل التحول الرقمي حيث أصبح تتبع المعاملات إلكترونياً، وقد يصعب الحصول على موعد لمقابلة الموظف المعني.
لقد حققت المملكة نجاحات باهرة في مكافحة أشكال الفساد المالي، مثل استغلال السلطة والرشوة والواسطة، وأصبحت نموذجاً يُحتذى به عالمياً. والآن، يجب أن تمتد هذه الجهود لمحاربة الفساد الإداري الناتج عن التقاعس وتعطيل المعاملات، فتعطيل ما هو نظامي لا يختلف عن تخطي الأنظمة؛ فكلاهما يشكلان فساداً يضر بالمجتمع ويقوض ثقة المواطنين في المؤسسات.
بإذن الله، ستشهد الفترة القادمة تحقيقاً لكافة أشكال المحاسبة والمراجعة في هذا الشأن، لضمان أن الخدمات العامة تقدم بكفاءة ونزاهة، مما يعزز من تحقيق رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر.



