يسخر النص من توظيف رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني لـ"دولار الضغط" في واشنطن بوصفه أداة لحماية نفوذ المليشيات الإيرانية وتثبيت موقعه داخل معادلات الحكم العراقية. وكالة الأخبار الروسية TASS تستخدم أسلوب قطع الليغو في معالجة الأخبار العالمية، حيث ترتب الأخبار لتشكل سردية موسكو عن بروكسل وواشنطن وبقية مناطق العالم، مع توابل تحليلية أحياناً لضمان هضمها على الطريقة الروسية. أما الإعلام الأميركي فيختلف، إذ يهرول إلى العالم بسرديات جاهزة تبدأ من الديمقراطية وصولاً إلى التجارة الحرة. الإعلام الأميركي البديل يستخدم نفس السردية بالرغم من معارضته للإعلام السائد، ويقترح ترويجها على شكل كبسولات صغيرة. يرى بأن إجراء عمليات القلب المفتوح بالأدوات العسكرية للأنظمة غير المرغوب بها أميركياً، حتى وإن غيرت القلب لأي نظام، سيعود للعمل وفق آلية الجغرافيا وتصوراته الحضارية. الإعلام السائد لـ"العم سام" يفضل الدخول من الشباك عبر العسكر والدعاية الفجة، بينما نظيره الموازي يريد دق الباب لعرض بضاعته.
خطاب رسمي هجين
الخطاب الرسمي العراقي بعد عام 2003 يحتوي الكثير من الليغو والسرديات المعلبة المليئة بالمواد الحافظة من واشنطن وطهران. السردية الطائفية والعرقية هما الوحيدتان المسموح بهما في إعلام البلاد السائد، وتعملان كوحدة تعبئة وتغليف. ذلك أقصى ما تستطيع نخب العراق السياسية توفيره بعد تدمير سهم المواطنة في بورصة الطائفة والعرق، حيث اتجهت نخب التغليف والتعبئة إلى تقديم عروضها مباشرة إلى أصحاب المعامل الكبيرة. طهران تصدر فتاوى أمنها القومي المطلوب استزراعها في الرأي العام العراقي عن طريق أبواق محلية، حيث تعتبر الحبال الصوتية لهذه الأبواق أنابيب صرف صحي للمصالح الجيواستراتيجية لنظام الملالي. إذا ارتفع الرهان الإقليمي والعالمي، يهرول الخطاب الرسمي للاستعانة بأبواق منتقاة من الساحة اللبنانية والمصرية كما يحدث منذ مدة، وتحديداً بعد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط (فبراير).
جماعات الضغط الأميركية
السلوك الإعلامي للعراق الرسمي مع واشنطن، والذي يشمل الحكومة والمليشيات الموالية لإيران وبقية العوائل السياسية، يمر عبر استئجار جماعات الضغط في واشنطن. ما عليك سوى البحث في موقع Open Secrets الخاص بنشاطات هذه الجماعات لتعلم بأن العراق اخترع عملة "دولار الضغط" أو Lobby Dollar. إقليم كردستان العراق مختلف في استخدامه لهذا الدولار، إذ يتعامل معه بطريقة مؤسساتية كحبة دواء تنقذه من ارتفاع ضغط نفوذ بغداد وسكري السيادة الاتحادية. رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني دفع مليون دولار أميركي للحصول على دعم إعلامي أميركي يثير انتباه إدارة الرئيس دونالد ترامب، وبالتالي تزداد فرصته في تولي رئاسة الحكومة لمرة ثانية. دفاعاً عن الرئيس السوداني ومن باب الإنصاف، هو يسعى للحصول على رضا لسان ترامب لأنه سيخلق الطمأنينة لدى قادة المليشيات الموالية لإيران، ويطمح للعب دور الوسيط بينها وبين الرئيس الأميركي. نجاحه في ذلك يعني رفعها عن مائدة القرار الاستراتيجي الأميركي كديكة رومية يجب تصفيتها لكي يحصل العراق والإقليم على وجبة الأمن والاستقرار السياسي. الرئيس السوداني يريد إنقاذ هذه الروميات الإيرانية، وقد جهز كل ما تحتاجه عملية الإنقاذ هذه في وقت سابق بعقود نفطية مربحة للشركات الأميركية. رئيس حكومة تصريف المال العام كـ"دولار ضغط" هو نسخة الإطار التنسيقي الحاكم من الشهير البريطاني كالوست كولبنكيان، وبذلك انتقم لطبعته البريطانية ذات الجذور الأرمنية بإعادة ثروة العراق النفطية إلى ما قبل الأول من حزيران (يونيو) 1972. لم أعرف لحد هذه اللحظة تفسير الرئيس للملايين التي دفعها، بالرغم من أني أرسلت إلى مكتبه الإعلامي مجموعة من الأسئلة بخصوص ذلك لوضع يدي على علة ارتفاع ضغط الـ Lobby Dollar في تصريف خروج المال العام من جيب حكومته. السياسي الأميركي جون بولتون، والذي يعرف نفسه كسفير أميركي سابق، رفض أن يشترك معي في كتابة مقال مشترك وأبلغني باختصار "لا أعرفك، وأنا كاتب محترف". كل شخص أو جهة تمتلك سردية تقوم بإعطائك ردها، لكن كل كولبنكيان في العراق لا يعطيك رداً لأن الرد سيكلفه حملة إعلامية تستنزف المال وخلايا الدماغ، كاشفاً إنه عارٍ من أية سردية. الرئيس السوداني وللأمانة كان قد أعلن في وقت سابق بأنه تخلى في الفترة الأخيرة عن الكثير من المستشارين ضغطاً للنفقات العامة.
عبر الأطلسي
عبر الأطلسي بواسطة Yahoo، أطال الله أثيره ولا طق له "كيبل بحري"، حاولت الحصول على رأي تيم كونستنتين، صاحب برنامج "كابيتول هيل" بسبب ولعه الشديد بالدفاع عن السوداني في صحيفة Washington Times. أردت أن أعرف تحديداً إن كان يمارس هذا الدفاع كخدمة صحفية أو بحافز ما من إحدى جماعات الضغط، لكن لم أحصل على إجابته حتى لحظة كتابتي لهذه السطور. المفارقة اللطيفة أن رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، والذي كان قاب قوسين أو أدنى من رئاسة الحكومة لدورة ثالثة بعد انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، دائمًا ما استعان بالصحفية الأميركية المخضرمة ليز سلاي وبصحيفة Washington Post لترويج محاسنه السياسية من 2006 إلى 2014. الفرق بين Post وTimes قد يكون اختلاف أسعار، فالأولى تتقاضى أموالاً طائلة على عكس الثانية. المسألة على الأرجح تتعلق بخفض النفقات من قبل جماعات الضغط التي تستعين بهذه الصحيفة أو تلك، وبالتالي تبقي هامش الأرباح مرتفعاً. أعتقد جازماً أن المسألة ليست بخلاً من قبل الرئيس، فهو قبل أيام نشر مقالاً في مجلة News Week الأميركية يوم 17 من نيسان (أبريل) 2026. كلنا في العراق، يا أعزائي القراء، فداء للرئيس ولحسه الأمني بالتحديات، وإيمانه بتغريدات الرئيس ترامب في تشكيل سردياتنا السياسية. لا يسعني في الختام إلا أن أشكر طهران، متمنياً لها مستقبلاً مليئاً بالمليشيات يريها النجوم في عز الظهر.



