في مقال رأي بصحيفة عكاظ، أثار الكاتب خالد الباتلي سؤالاً جوهرياً حول مكاسب التعليم العام من هيمنة الأكاديميين على قراراته على مدى العقود الماضية، متسائلاً عن الحصيلة الحقيقية بعد أكثر من ثلاثة عقود من الخطط والمبادرات والاستراتيجيات. وأشار إلى أن المسميات تغيرت أكثر من النتائج، وتعاقبت الإدارات الأكاديمية أكثر من الإنجازات، بينما ظل المعلمون وقادة المدارس والمشرفون يراقبون مشهداً متكرراً.
النظريات لا تصنع النجاح وحدها
أكد الباتلي أن النجاح التعليمي لا يُصنع بالنظريات وحدها، وإلا لكانت المدارس السعودية من بين الأفضل عالمياً. لكن الواقع يشير إلى تبدل النظريات وتغير المسميات وتعاقب المشروعات دون انعكاس ملموس على المدرسة. وأوضح أن التعليم العام ليس ورقة بحثية أو مؤتمراً أكاديمياً، بل حياة يومية لملايين الطلاب والمعلمين والأسر، وأي خطأ في قراره يتحول إلى سنوات ضائعة يدفع ثمنها جيل كامل.
هيمنة العقل الأكاديمي النظري
يرى الكاتب أن المشكلة ليست في وجود الأكاديميين، بل في هيمنة العقل الأكاديمي النظري على القرار الميداني. كثير من قادة التعليم العام لم يعيشوا واقع المدرسة الحقيقي، ومع ذلك كانوا يحددون الاتجاه ويطالبون الميدان بالتنفيذ دون مشورته. وتحول التعليم العام إلى ساحة تتزاحم فيها المبادرات أكثر من تراكم الإنجازات، حيث يأتي فريق جديد بأفكار جديدة ثم يغادر قبل قياس النتائج، ليعيد فريق آخر الكرة من جديد وكأن السنوات السابقة لم تكن.
الميدان أكثر التصاقاً بالتعليم الحقيقي
أشار الباتلي إلى أن أكثر الناس غياباً عن صناعة القرار هم الأكثر التصاقاً بالتعليم الحقيقي، مثل المعلم الذي أمضى عشر سنوات في فصل مكتظ، ومديرة المدرسة التي تتعامل يومياً مع الطالبات والأسر، والمشرف الميداني الذي يجوب المدارس. وأكد أن خبرة الميدان ليست أقل من الشهادات العليا، بل قد تكون أكثر قيمة في صناعة القرار التعليمي. وضرب مثلاً بأن معلم ناجح في مدرسة حكومية قد يفهم احتياجات التعليم أكثر من خريج أرقى الجامعات الذي لم يعش يوماً داخل المدارس.
تكلفة العبث الإداري والفكري
دعا الكاتب إلى حساب تكلفة العبث الإداري والفكري المتكرر عبر العقود، والتي شملت المال والوقت والجهد والطاقة البشرية، بينما بقي السؤال الكبير بلا إجابة: لماذا لا نبدأ من أهل الميدان أنفسهم؟ واستغرب أن هذا يحدث رغم وجود آلاف المعلمين والمشرفين وقادة المدارس الحاصلين على الماجستير والدكتوراه ممن جمعوا بين المؤهل العلمي والخبرة العملية. وتساءل لماذا يُنظر إلى أستاذ الجامعة كخيار طبيعي للقرار التعليمي بينما يُهمش من يحمل المؤهل نفسه ويملك فوقه عشرين عاماً من الخبرة الميدانية.
دعوة لإعادة التوازن
اختتم الباتلي مقاله بدعوة إلى إعادة التوازن المفقود، بحيث يقود الأكاديميون البحث العلمي وتطوير الجامعات، بينما يكون صوت أهل الميدان حاضراً في قلب القرار التعليمي العام. وقال: "لقد اختُطف التعليم العام طويلاً باسم التطوير، وحان الوقت أن يعود إلى أهله". وأضاف أنه عندما يصبح القرار بيد من عاشوا المدرسة، سنكتشف أن كثيراً من الحلول التي بحثنا عنها في اللجان والاستشارات والمؤتمرات كانت تقف كل صباح أمام السبورة لكنها لم تجد من يستمع إليها.



