مفاعل ديمونة النووي: شبح التهديد الإشعاعي يخيم على الشرق الأوسط في ظل الحرب الإيرانية
مفاعل ديمونة: شبح نووي يهدد الشرق الأوسط في الحرب الإيرانية

مفاعل ديمونة النووي: شبح التهديد الإشعاعي يخيم على الشرق الأوسط في ظل الحرب الإيرانية

في خضم التصعيد العسكري المتزايد بين إسرائيل وإيران، مع تبادل التهديدات واستهداف المنشآت الإستراتيجية، يطفو مفاعل ديمونة النووي على سطح المخاوف الإقليمية كواحد من أخطر المواقع الحساسة في منطقة الشرق الأوسط. ليس هذا الموقع مقلقًا لإسرائيل فحسب، بل للمنطقة بأكملها، خاصة في حال تعرضه لضربة مباشرة أو تسرب إشعاعي قد يغير معادلة الأمن البيئي والإنساني.

موقع تاريخي وغموض نووي مستمر

يقع مفاعل ديمونة في صحراء النقب جنوب إسرائيل، على بعد أقل من 150 كيلومترًا من العاصمة الأردنية عمّان، مما يجعله قريبًا جغرافيًا من دول الجوار. بدأ العمل في هذا المفاعل، الذي يُعد أقدم منشأة نووية في المنطقة، في نهاية خمسينيات القرن الماضي بدعم تقني فرنسي. منذ ذلك الحين، ظل المفاعل محورًا لسياسة "الغموض النووي" التي تتبعها إسرائيل، حيث لا تعترف رسميًا بامتلاك أسلحة نووية، رغم تقديرات دولية تشير إلى امتلاكها ما بين 200 و400 رأس نووي، تم تطوير جزء كبير منها اعتمادًا على البلوتونيوم المنتج في هذا المفاعل.

من النقاش النظري إلى السيناريو الأمني الحقيقي

في ظل الحرب الحالية بين إسرائيل وإيران، لم يعد الحديث عن ديمونة مجرد نقاش نظري، بل تحول إلى سيناريو أمني ملموس. فقد لوحت إيران مرارًا بإدراج المفاعل ضمن أهدافها العسكرية، خاصة بعد استهداف منشآتها النووية مثل منشأة فوردو. مع إطلاق الصواريخ باتجاه مناطق جنوب إسرائيل، بما فيها بئر السبع والمناطق القريبة من ديمونة، ارتفعت المخاوف من أن يتحول هذا الموقع النووي إلى نقطة اشتعال قد تتجاوز تداعياتها حدود الصراع العسكري التقليدي، لتصبح أزمة إقليمية شاملة.

مخاوف متجددة حول منشأة قديمة

أحد أبرز مصادر القلق يتعلق بعمر المفاعل نفسه، الذي بدأ تشغيله قبل أكثر من ستة عقود، مما يجعله من أقدم المفاعلات العاملة في العالم. وفق تقارير نشرتها صحيفة "هآرتس"، حذر خبراء إسرائيليون سابقًا من أن المفاعل يعاني من "شيخوخة تقنية"، مع تسجيل تشققات في هيكله الفولاذي. رغم عمليات التحديث والصيانة التي أجرتها إسرائيل على مدى السنوات الماضية، فإن عمر المنشأة الطويل يثير تساؤلات متكررة حول قدرتها على الصمود في حال تعرضت لهجوم مباشر أو حتى لصدمة انفجارية قوية بالقرب منها.

سيناريوهات الخطر والتأثير الإقليمي

السيناريو الأخطر يتمثل في إصابة منشأة التخزين أو المرافق المرتبطة بالوقود النووي، وهو احتمال قد يؤدي إلى تسرب إشعاعي. يشير خبراء في الطاقة النووية إلى أن قلب المفاعل يقع تحت الأرض على عمق يصل إلى 40 أو 50 مترًا تقريبًا، ما يجعل استهدافه المباشر أكثر صعوبة. ومع ذلك، يظل الخطر النظري قائمًا إذا تعرضت المنشآت المحيطة أو أنظمة التبريد أو مرافق تخزين الوقود المستنفد لضربة قوية، وهو ما قد يؤدي إلى إطلاق مواد مشعة في الهواء.

الجغرافيا تجعل أي حادث نووي في ديمونة قضية إقليمية، حيث الأردن هو الدولة الأقرب إلى المفاعل، مع مناطق تقع على بعد نحو 25 إلى 30 كيلومترًا فقط. وفق تقديرات خبراء أردنيين في الطاقة الذرية، فإن نطاق التأثير الإشعاعي المباشر قد يتراوح بين 500 متر وخمسة كيلومترات في أسوأ السيناريوهات، وهي مساحة محدودة نسبيًا في مناطق صحراوية قليلة السكان. لكن الخطر الأكبر مرتبط بما يسمى السحابة الإشعاعية التي قد تنتقل وفق اتجاه الرياح:

  • في حال تحركت الرياح شمالًا أو غربًا، فإن مناطق في فلسطين وإسرائيل ستكون الأكثر تعرضًا.
  • قد تصل آثار محدودة إلى الأردن أو حتى جنوب سوريا.
  • أما إذا تحركت الرياح جنوبًا، فقد تمتد آثار التلوث إلى أجزاء من سيناء المصرية.

قلق يتجاوز الجغرافيا: طبيعة الصراع المعقدة

المشكلة الأساسية لا تكمن في حجم التأثير الإشعاعي فحسب، بل في طبيعة الصراع نفسه، حيث المواجهة بين إسرائيل وإيران لا تجري بين جيشين تقليديين فقط، بل في بيئة معقدة تتداخل فيها:

  1. الصواريخ بعيدة المدى.
  2. الطائرات المسيّرة.
  3. الميليشيات الحليفة.

هذا الواقع يثير مخاوف من الخطأ أو الضربة غير المحسوبة، خصوصًا في ظل كثافة الصواريخ التي تطلق في مساحات واسعة، ما يرفع احتمالات إصابة أهداف حساسة عن طريق الخطأ أو نتيجة تقدير خاطئ للمسار.

معضلة نووية في قلب الصراع

مفاعل ديمونة، الذي ظل لعقود رمزًا للغموض النووي الإسرائيلي، يجد نفسه اليوم في قلب واحدة من أخطر المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط. بينما تستمر إسرائيل في التعتيم على تفاصيل برنامجها النووي، تتزايد الأسئلة حول المخاطر التي قد تترتب على أي استهداف محتمل له. الضربة التي قد تبدو عسكرية في ظاهرها قد تتحول، في أسوأ السيناريوهات، إلى أزمة بيئية وإشعاعية عابرة للحدود، تجعل الشرق الأوسط بأسره شريكًا في تداعياتها، مما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لتدابير وقائية وتعاون إقليمي لمواجهة هذا التهديد النووي المحتمل.