الفريق أول سعيد القحطاني: إرث أمني وأخلاقي لا ينسى
رحل الفريق أول سعيد بن عبدالله القحطاني، بعد مسيرة حافلة امتدت لستة عقود في خدمة القطاع الأمني السعودي، حيث يعد من أبرز الشخصيات الأمنية التي ساهمت بشكل كبير في بناء وتطوير المنظومة الأمنية في المملكة العربية السعودية. تدرج خلال مسيرته الطويلة في مواقع ميدانية وقيادية متنوعة، مقدماً نموذجاً مشرفاً في الإخلاص والتفاني، وأنسن صرامة العمل الأمني بأخلاقه الراقية التي جعلت منه قدوة يحتذى بها.
بداية المسيرة الأمنية والتطور المهني
بدأ الفريق أول القحطاني خدمته الأمنية مباشرة بعد تخرجه من كلية الملك فهد الأمنية في عام 1390 هجرياً، حيث عُين برتبة ملازم في 13 مارس من نفس العام. منذ ذلك الحين، انخرط في العمل الميداني والأمني، وحصل على العديد من الدورات التخصصية التي عززت خبراته العملية والمهنية بشكل ملحوظ. شملت هذه الدورات مجالات أمنية وجنائية وإدارية متقدمة، مما ساهم في صقل مهاراته ورفع كفاءته في التعامل مع مختلف القضايا والتحديات الأمنية المعقدة.
تميز في بدايات عمله بالحضور الجاد والانضباط المهني العالي، مع حرص دائم على التعلم المستمر. لم يكتف بما تلقاه في مراحل الإعداد الأولى، بل كان حريصاً على التثقيف الذاتي، والاطلاع على التجارب الأمنية الحديثة عالمياً، ومتابعة المستجدات في مجالات التحقيق والعمل الجنائي وإدارة العمليات. وهكذا، أصبح مثالاً للضابط الذي يجمع بين العلم النظري والتطبيق العملي والخبرة الميدانية الغنية.
محطات مهنية بارزة وإسهامات نوعية
تقلد الفريق أول القحطاني خلال مسيرته عدداً من المناصب التي شكلت محطات مفصلية في مساره المهني. من بين هذه المناصب:
- مدير التموين بالإدارة العامة للسجون: حيث أظهر كفاءة في إدارة الموارد.
- العمل في الأمن الجنائي بالأمن العام: حيث طور مهاراته في مجال التحقيق.
- مدرس للتحقيق في معهد الأدلة الجنائية: حيث أسهم في إعداد الكفاءات الأمنية من خلال إعداد مواد علمية متخصصة.
تدرج في العمل الجنائي والرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة فريق أول، مع التركيز على مجال التحقيق الذي يعد من أدق وأكثر مجالات العمل الأمني حساسية. في مسيرته الميدانية، كُلف بقيادة وحدات التحقيق والأمن الجنائي في المشاعر المقدسة، وهي مهام اتسمت بتحديات أمنية عالية تطلبت جاهزية قصوى وقدرة على إدارة الحشود الكبيرة والتعامل مع متغيرات متعددة.
إسهامات في أمن الحج والتطوير المؤسسي
في عام 1414 هجرياً، صدر قرار بتعيينه مساعداً لقائد قوات أمن الحج للأمن الجنائي، حيث أسهم إسهاماً ملموساً في تطوير خطط الأمن الجنائي خلال مواسم الحج. ساهم في رفع مستوى الجاهزية وتعزيز التكامل بين القطاعات الأمنية المختلفة، مما أدى إلى تحسين الأداء الأمني بشكل عام. استمر عطاؤه القيادي بتعيينه مديراً لشرطة منطقة مكة المكرمة، ثم نائباً لقائد قوة أمن الحج، وأخيراً مديراً للأمن العام.
خلال فترة توليه منصب مدير الأمن العام، شهد القطاع مراحل تطوير نوعية في التنظيم والجاهزية والتقنيات الأمنية والتكامل المؤسسي والتأهيل. استمر في هذا الموقع حتى صدر الأمر بتعيينه مساعداً لوزير الداخلية لشؤون العمليات، حيث واصل تقديم خبراته في دعم العمل الأمني على مستوى المملكة.
شهادة وفاء وتقدير من قيادة الوزارة
كانت كلمة وزير الداخلية الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف، في نعيه، شهادة وفاء وتقدير اختصرت مسيرة ستة عقود من العطاء الصادق. جسدت هذه الكلمة مكانة الفقيد بوصفه رجل دولة وأمانة، خدم قيادته ووطنه بالأخلاق الرفيعة والصدق والإخلاص. بقي أثره حاضراً في الذاكرة الوطنية، شاهداً على سيرة لا تنسى، تاركاً إرثاً أمنياً وأخلاقياً يظل مصدر إلهام للأجيال القادمة في مجال العمل الأمني.
