الرياض تتابع باهتمام المفاوضات الأميركية الإيرانية وتؤكد حضور مصالحها في المعادلة
تتعامل القيادة السعودية بجديةٍ عالية مع مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية الجارية برعايةٍ باكستانية، رغم أنها ليست جزءاً مباشراً منها. غير أن عدم وجودها ضمن طاولة التفاوض لا يعني أنها خارج المعادلة، لأن مصالحها الوطنية وأمنها القومي يظلان حاضرين في الحسابات الأساسية للأطراف المتفاوضين والوسيط الباكستاني.
الاتصالات المستمرة والدور المحوري
يظهر هذا الحضور السعودي في الاتصالات المستمرة بين الرياض وواشنطن وطهران وإسلام آباد، لأن الجميع يدركون الدور المحوري الحالي والمستقبلي للرياض في أي تسويةٍ وترتيبات إقليمية. هذه التسويات تهدف إلى إنهاء حالة الصراع، وتمهيد الطريق لتفاهماتٍ دائمة صلبة وعملانية تستند إلى أسس متينة.
أولويات الدبلوماسية السعودية
تتحرك الدبلوماسية السعودية في مساراتٍ عدة متوازية لضمان تحقيق أهدافها الاستراتيجية:
- تثبيت الهدنة: بين الولايات المتحدة وإيران، لمنع العودة إلى الحرب، وضمان عدم تجدد الأعمال العدائية الإيرانية ضد المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي.
- دعم الوساطة الباكستانية: انطلاقاً من الثقة السياسية والاستراتيجية القائمة بين الرياض وإسلام آباد، مما يعزز الجهود الدبلوماسية الإقليمية.
- إعادة فتح مضيق هرمز: بصورةٍ سريعة ودائمة، بما يكفل أمن الملاحة وعودة تصدير النفط والغاز وانتظام التجارة عبر الموانئ الخليجية، وهو أمر حيوي للاقتصاد العالمي.
- وقف النار في لبنان: حيث عملت المملكة بصمت لدعم جهود الدولة اللبنانية في تثبيت الأمن والاستقرار، وبسط سيطرتها على أراضيها، وتحقيق خروج القوات الإسرائيلية وعودة النازحين.
الرؤية الاستراتيجية لما بعد الأزمة
لا تقتصر الرؤية السعودية على إدارة اللحظة الراهنة فحسب، بل تمتد إلى ما بعدها. تدرك الرياض أن الأمن الإقليمي المستدام لا يمكن أن يتحقق من دون تفاهمٍ واضح وجاد مع إيران، يعالج الملفات الأكثر إلحاحاً، مثل الاعتداءات المسلحة والخلايا النائمة والميليشيات التابعة لطهران، وأمن الملاحة في الخليج العربي.
هذه الملفات لا تكفي فيها التهدئة اللفظية والوعود الدبلوماسية، بل تحتاج إلى خريطة طريقٍ واضحة، والتزاماتٍ إيرانية صريحة، وضماناتٍ ملموسة قابلة للتحقق. وهذا يتطلب جهداً دبلوماسياً مكثفاً وتعاوناً إقليمياً واسع النطاق.
الدعم السعودي للوساطة الباكستانية
جاء دعم جهود باكستان في هذا السياق من خلال لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في جدة في 15 أبريل الجاري، حيث جرى تأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
كما حمل اللقاء دلالةً سياسية واضحة، إذ عكس دعماً سعودياً مباشراً للوساطة الباكستانية، في وقت كانت فيه قنوات التنسيق الإقليمي تتحرك أيضاً عبر الاجتماع التشاوري الرباعي في إسلام آباد بمشاركة السعودية وباكستان ومصر وتركيا.
المسار السياسي والتحديات المستقبلية
بالتوازي، جاءت زيارة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير لطهران ولقاءاته مع المسؤولين الإيرانيين الكبار، في مؤشرٍ على أن هناك مساراً سياسياً قيد التشكّل. هذه الجهود لا تقتصر على تثبيت وقف النار الموقت فحسب، بل تسعى إلى تهيئة الأرضية لجولةٍ تفاوضية جديدة قد تقود إلى اتفاقٍ أوسع، رغم المؤشرات المتناقضة التي تأتي من واشنطن وطهران.
من هذا المنظور، لا ترى السعودية الهدنة غايةً في ذاتها، بل فرصة لبناء تفاهماتٍ أقوى تمنع تكرار الحرب بعد سنوات. ولذلك شددت في بيانها الذي أصدرته وزارة الخارجية على ضرورة أن تعالج الجهود الدبلوماسية كل القضايا التي قوّضت أمن المنطقة لعقود.
لأن العقدة الأساسية ترتبط بهذه الملفات المتداخلة والثقيلة أمنياً وسياسياً؛ ولذا فنجاح هذا المسار يتوقف في جانبٍ كبير منه على قدرة إيران على إعادة بناء الثقة مع جيرانها، وإثبات حسن النية بالأفعال لا بالأقوال، وأيضاً نتائج مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. وهذا يتطلب التزاماً حقيقياً من جميع الأطراف لتحقيق سلام دائم في المنطقة.



