لقاء تاريخي في واشنطن يفتح باب الأمل للسلام الشائك
في تطور دبلوماسي نادر، التقت سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض مع سفير إسرائيل يحيئيل لايتر في الجولة الأولى من المحادثات الإسرائيلية اللبنانية. عُقدت المباحثات في مقر وزارة الخارجية الأميركية بالعاصمة واشنطن، ممثلة خطوة إيجابية ومهمة نحو إنهاء دوائر الصراع المتعددة في الشرق الأوسط.
عقبات كبرى تواجه مسار السلام
يدعو السلام الشائك في المنطقة إلى مقاربات عقلانية تدعم الدولة اللبنانية وتواجه نهج الميليشيات المسلحة، مع العمل على استعادة واقعية التسويات السياسية. لا تقتصر التحديات على الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو فحسب، بل تكمن المعضلة الجوهرية في غياب حسم "الحالة الميليشياوية" التي خلقتها إيران في مسعاها للهيمنة على مفاصل القرار في أربع عواصم عربية، بالإضافة إلى قطاع غزة.
إنَّ منطقة تعج بالمتطرفين من مختلف الأطراف تستوجب تبني مقاربات سياسية عقلانية، مع التمسك بالثبات في المواقف والمسارات المؤدية لسلام شائك. ما يُطرح اليوم على طاولة المفاوضات من مرونة سياسية قد يحمي شعوبًا في المستقبل، إذا ما توقفت المقاربات العسكرية عن استنزاف أرواح تتوق للسلام، تحت شعار واحد: الأرض تتسع للجميع.
استحضار حكمة بورقيبة: خارطة طريق استشرافية
مرّت قبل أيام الذكرى السادسة والعشرون لرحيل الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، وهي مناسبة تدعونا لاستحضار خطابه التاريخي في مدينة أريحا الفلسطينية. لم يكن ذلك الخطاب مجرد موقف سياسي عابر، بل خارطة طريق استشرافية واجهت الواقع في الشرق الأوسط بالعقلانية والتخطيط المدروس.
دعا بورقيبة يومها إلى:
- فهم موازين القوى الدولية بعمق، واعتماد سياسة "المرحلية" المعروفة بـ"خذ وطالب" بدلاً من نهج "الكل أو لا شيء"، الذي أضاع الكثير من الفرص التاريخية.
- مواجهة المزايدات السياسية بحزم، حيث حذّر مبكرًا من الشعارات العاطفية ومن المزايدين الذين يستثمرون في مشاعر الشعوب دون رؤية واقعية، وهو ما أثبتت الأيام صحته بشكل قاطع.
- النضال المرن والذكي، فقد آمن بأن مواجهة القوى المتفوقة تتطلب دهاءً سياسيًا واستغلالاً للشرعية الدولية لانتزاع الحقوق تدريجيًا وبصبر.
الواقعية السياسية: الدرس المستمر
لماذا يظل خطاب بورقيبة مرجعًا حتى اليوم؟ الجواب يتلخص في كلمة واحدة: الواقعية. ما تبنته القيادة الفلسطينية بالأمس بات مدعاة لنهج سياسي يدركه النظام السوري بقيادة الرئيس أحمد الشرع، والدولة اللبنانية بقيادة الرئيس جوزيف عون وحكومة نواف سلام. يعكس موقف بورقيبة في حينه قراءة مستقبلية عميقة في الستينيات من القرن الماضي، مؤكدًا أن الحرية تُنتزع بالحكمة تمامًا كما تُنتزع بالتضحيات الجسام.
دور العرب الحاسم في دعم المسار
بالعودة إلى بداية المقال، بات من الضروري أن يُصدر وزراء الخارجية العرب بيانات ترحيبية بهذه الخطوة الدبلوماسية، تأكيدًا لدعم الدولة اللبنانية وسيادتها الكاملة. هذا الدعم يمثل السبيل الحتمي لإنهاء نهج الميليشيات المسلحة، وتشجيعًا للنظام السوري للمضي بذات المسار الواقعي، وحثًا للإسرائيليين على إنهاء احتلال الدولة الفلسطينية القائمة بالقانون الدولي على حدود الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967.
في النهاية، تبقى المقاربات العقلانية والواقعية هي الأمل الوحيد لتحقيق سلام دائم في منطقة ملأى بالتطرف والتعقيدات، حيث تثبت الدبلوماسية الهادئة أنها قد تكون أقوى من كل الأسلحة.



