مصادر باكستانية تكشف تفاصيل مفاوضات إسلام آباد بين أمريكا وإيران
في الوقت الذي ترددت فيه تقارير عن فشل مفاوضات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران، أفصحت مصادر باكستانية موثوقة أن هذه المحادثات لم تفشل، بل تم جدولتها على مراحل في أجواء إيجابية. وتركزت المفاوضات في الأيام الماضية على ثلاثة مسارات تفاوضية رئيسية، من ضمنها بناء إجراءات الثقة المفقودة بين الطرفين، وهو المسار الذي حظي بأكبر قدر من الاهتمام نظرًا لأنه يعكس فجوة تراكمت منذ عقود بين البلدين.
الخلافات البنيوية ودور باكستان كضامن
أشارت المصادر إلى أن الخلاف بين أمريكا وإيران لم يكن تكتيكيًا فحسب، بل هو بنيوي يتعلق برؤية كل طرف لدوره في النظام الدولي والإقليمي. في هذا السياق، حرصت إسلام آباد على تثبيت بناء الثقة قدر الإمكان، على ضوء الاختلافات الجذرية في رؤى البلدين حول عدد من الملفات الشائكة. ولعبت باكستان دور "الضامن" عبر إجراءات تدريجية، مثل خفض التصعيد الإعلامي والعسكري، وترتيبات غير معلنة لتبادل الرسائل أو التفاهمات الأمنية، بهدف العودة إلى صيغ تفاوض غير مباشرة شبيهة بما جرى سابقًا.
ومع ذلك، ظل نجاح هذا المسار محدودًا، كونه لم يُترجم إلى التزامات ملموسة، وذلك بسبب انعدام الثقة المؤسس على تجارب سابقة فاشلة. وأضافت مصادر مطلعة في الخارجية الباكستانية أن المفاوضات مع الجانب الأمريكي في إسلام آباد أسفرت عن اتفاق حول عدد من النقاط، لكن تباين وجهات النظر حول قضيتين مهمتين حال دون التوصل إلى اتفاق شامل.
مضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم: نقاط الخلاف الحادة
أبانت المصادر القريبة من محيط المباحثات أن الوفدين طلبا وقتًا إضافيًا لمزيد من المباحثات، موضحة أن هناك خلافات حادة حول فتح مضيق هرمز، حيث يشدد الطرف الإيراني على أن فتح المضيق من عدمه هو شأن إيراني بحت، الأمر الذي ترفضه واشنطن جملة وتفصيلًا. وأشارت المصادر إلى أن مسار مضيق هرمز كان "الأكثر حساسية"، كونه يعد جوهر الصراع الحقيقي وليس مجرد ملف تفاوضي عادي.
كما شملت الخلافات طلب إيران التحكم بمضيق هرمز ورفضها التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب. وفقًا للمصادر، كانت هناك محاولة باكستانية لفصل الملفات مثل الثقة والأمن والاقتصاد لتسهيل التقدم الجزئي، لكن الملف الاستراتيجي المتعلق بالمضيق بقي عالقًا، مما يمنع الوصول إلى اتفاق شامل.
تقييم النتائج: نجاح تكتيكي محدود ومسار طويل
يبقى السؤال: هل فشلت مفاوضات إسلام آباد؟ من المبكر توصيف ما جرى على أنه "فشل تام"، لكنه بالتأكيد لم يرتقِ بعد إلى مستوى "الاختراق الاستراتيجي". وما تحقق أقرب إلى تفاهمات تكتيكية مؤقتة، تهدف إلى إدارة التوتر وليس إنهاءه، كون المباحثات نجحت في فتح قنوات تواصل، وتخفيف حدة التصعيد، وربما إرساء إجراءات محدودة لبناء الثقة.
ولم تُحسم القضايا الجوهرية مثل طبيعة الدور الإقليمي لإيران، وملف العقوبات والضمانات الأمريكية، والترتيبات الأمنية طويلة الأمد. وهذه هي القضايا التي تُعرّف أي تسوية استراتيجية حقيقية، وليس مجرد تهدئة ظرفية. وقالت المصادر الأمريكية إن المفاوضات سارت وفق منطق "إدارة الأزمة" لا "حل الأزمة"، أي أن الطرفين يحاولان كسب الوقت، دون تقديم تنازلات كبرى.
في المحصلة، فإن مفاوضات إسلام آباد لم تفشل، لكنها أيضًا لم تنجح بالمعنى العميق، وتعكس نجاحًا تكتيكيًا محدودًا ضمن مسار زمني طويل ومعقد، لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة عبر البناء التدريجي نحو تفاهم أوسع أو العودة إلى التصعيد أكثر إذا تعثرت خطوات الثقة.



