البنود العشرة الإيرانية على طاولة المفاوضات: اختبار حقيقي للدبلوماسية الأمريكية
في تطور دبلوماسي بالغ الحساسية، كشفت مصادر متعددة عن البنود العشرة التي قدمتها إيران كأساس للتفاوض مع الولايات المتحدة، وذلك في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه يوم الثلاثاء الماضي. هذا الاتفاق، الذي جاء تحت تهديدات غير مسبوقة وإبادة محتملة، يضع المنطقة على حافة تحول تاريخي أو انزلاق نحو مزيد من التصعيد.
سوء الفهم اللبناني والتصريحات المتضاربة
أثار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، خلال مؤتمر صحفي في بودابست يوم الأربعاء، موجة من الجدل عندما صرح بأن المفاوضين الإيرانيين اعتقدوا خطأً أن اتفاق وقف إطلاق النار يشمل لبنان، بينما نفت الولايات المتحدة ذلك بشكل قاطع. وقال فانس: "أعتقد أن هذا نابع من سوء فهم. أعتقد أنّ الإيرانيين ظنوا أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، وهذا غير صحيح".
هذا التصريح يأتي في وقت تتصاعد فيه التوترات على الجبهة اللبنانية، حيث أعلنت إسرائيل صراحة أن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين لا يشمل لبنان، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات متعددة للتصعيد.
الوساطة الباكستانية والمفاوضات المرتقبة
من المقرر أن تستضيف باكستان، بصفتها الوسيط الرئيسي في هذه الأزمة، مفاوضين أمريكيين وإيرانيين لإجراء محادثات مكثفة في إسلام آباد، ربما في وقت مبكر من يوم الجمعة. هذه المحادثات تأتي في ظل وجود العديد من القضايا العالقة، بدءاً من الأسس التفاوضية نفسها وصولاً إلى التفاصيل الدقيقة للاتفاق النهائي.
تفاصيل البنود العشرة الإيرانية
كشفت مصادر دبلوماسية وإعلامية عن البنود العشرة التي تشكل المقترح الإيراني، والتي تتراوح بين المطالب الأمنية والاقتصادية والسياسية:
- ضمانة أمريكية بعدم الاعتداء على إيران: تسعى طهران إلى ضمان إنهاء رسمي ودائم للأعمال العدائية، وهو ما يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار المؤقت.
- استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز: تهدف إيران إلى فرض رقابة مشددة على حركة الملاحة، مع إمكانية فرض رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار عن كل سفينة.
- القبول بحق إيران في تخصيب اليورانيوم: تطالب طهران بالاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم للاستخدام المدني، بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي.
- رفع كافة العقوبات الأولية: تشمل العقوبات المباشرة على المعاملات المالية التي فرضتها واشنطن منذ عام 1979.
- رفع كافة العقوبات الثانوية: تتعلق بالعقوبات على الدول والشركات غير الأمريكية التي تُجري أعمالاً تجارية مع إيران.
- إنهاء العمل بكافة قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة: خاصة تلك المتعلقة بالملف النووي الإيراني.
- إنهاء كافة قرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية: ضد إيران.
- دفع التعويضات اللازمة لإيران عن الأضرار: نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي تسببت في دمار هائل.
- خروج القوات القتالية الأمريكية من الشرق الأوسط: بما في ذلك القواعد العسكرية في دول الخليج وإسرائيل والعراق.
- وقف الحرب في كافة الجبهات: بما في ذلك الحرب ضد حزب الله في لبنان.
التحديات الكبرى والمواقف المتصلبة
يواجه المقترح الإيراني معارضة شديدة من عدة جهات، حيث وصف أنور قرقاش، كبير المستشارين الدبلوماسيين لرئيس الإمارات، بند مضيق هرمز بأنه "غير مقبول بتاتاً" و"سابقة خطيرة". كما أصر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث على أن إيران "لن تمتلك أبداً سلاحاً نووياً أو القدرة على الوصول إلى امتلاكه".
المقترح الأمريكي والهوة التفاوضية
في المقابل، تشير التقارير إلى أن المقترح الأمريكي المكون من 15 بنداً يتضمن مطالب صارمة، منها:
- تفكيك إيران لجميع المنشآت النووية الرئيسية
- إنهاء جميع عمليات تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية
- نقل مخزونات اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد
- قبول عمليات تفتيش دولية دقيقة
مستقبل غير واضح وتصريحات متضاربة
أعرب أنور قرقاش عن قلقه من الوضع الحالي، قائلاً: "الكثير من التفاصيل غير واضحة تماماً. هناك تصريحات متضاربة تصدر من إيران، ومن واشنطن، ومن الوسيط الباكستاني. لذا، نحتاج إلى التوفيق بين تفاصيل هذه التصريحات وفهم المسار الأمثل للمضي قدماً".
هذا الغموض يزيد من تعقيد المشهد، خاصة مع إصرار البيت الأبيض على أن الخطة الإيرانية المتداولة في وسائل الإعلام ليست "الإطار العملي" الذي تلقاه المسؤولون الأمريكيون.
السباق ضد الزمن والفرصة الهشة
مع توفر فرصة سانحة مدتها أسبوعان فقط بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، تكتسب المحادثات المرتقبة في إسلام آباد أهمية استثنائية. فقد ترأست المملكة المتحدة الأسبوع الماضي محادثات ضمت أكثر من 40 دولة حول كيفية فتح مضيق هرمز، واتفق جميع المشاركين على ضرورة إنهاء الحرب أولاً.
قالت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، في بيان رحّبت فيه بوقف إطلاق النار: "سنواصل العمل مع قطاعات الشحن والتأمين والطاقة"، مما يشير إلى الاستعداد الدولي للتعامل مع تبعات أي اتفاق محتمل.
تساؤلات مصيرية ومستقبل مجهول
يطرح هذا الوضع المعقد عدة تساؤلات جوهرية: هل تمهد هدنة الأسبوعين بين طهران وواشنطن إلى حل دائم؟ كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع المطالب الإيرانية المتعلقة بمضيق هرمز والبرنامج النووي؟ وما مصير الجبهة اللبنانية في ظل التصريحات الإسرائيلية المتصلبة؟
تبقى الإجابات على هذه الأسئلة معلقة في ميزان دبلوماسي حساس، حيث تحمل الأيام القادمة إما بذور حل تاريخي أو بذور تصعيد جديد قد يكون أكثر خطورة من كل ما سبق.



