ضغوط أميركية متصاعدة لتغيير استراتيجية حلف الناتو
كشفت تقارير صحفية نقلاً عن دبلوماسيين في حلف شمال الأطلسي الناتو أن واشنطن تمارس ضغوطاً متزايدة لإعادة ترتيب أولويات الحلف خارج حدوده التقليدية، في خطوة تعكس توجه الإدارة الأمريكية نحو حصر دور الناتو ضمن إطاره الدفاعي الأوروبي-الأطلسي.
العراق: الملف الأبرز المرشح للتقليص
وفقاً للمصادر الدبلوماسية، فإن المهمة الاستشارية للناتو في العراق تُعد أبرز الملفات المرشحة للتقليص أو الإنهاء خلال الفترة المقبلة. وقد أنشئت هذه المهمة عام 2018 ثم توسعت لاحقاً بطلب من بغداد لدعم المؤسسات الأمنية ومنع عودة تنظيم داعش.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تضغط لإنهاء المهمة العراقية بحلول شهر سبتمبر القادم، بالتزامن مع خطة لسحب نحو 2500 جندي أميركي وفق اتفاق ثنائي مع الحكومة العراقية. ويأتي هذا التحرك في إطار تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإنهاء ما يصفه بـ"الحروب الأبدية".
توجه دفاعي بحت يثير تحفظات الحلفاء
يعكس هذا التوجه الأمريكي رغبة البيت الأبيض في العودة إلى ما يُعرف بـ"الوضع السابق"، حيث يركز الناتو على مهامه الدفاعية الأساسية بعيداً عن مهام إدارة الأزمات والشراكات العالمية التي توسع فيها الحلف خلال العقود الماضية.
ويبرز هذا التوجه بوضوح في رؤية نائب وزير الدفاع الأمريكي إلبريدج كولبي التي أطلق عليها اسم "الناتو 3.0"، حيث أكد أن الحلف لا يستطيع اعتبار جميع المهام أولوية متساوية، وأن المعيار الأساسي يتمثل في قدرة القوات الأوروبية على القتال والصمود في سيناريوهات الدفاع عن أراضي الحلف.
تداعيات متعددة وتوسع في التقليص
لا تقتصر الضغوط الأمريكية على الملف العراقي فقط، بل تشمل أيضاً:
- تقليص عمليات الحلف في كوسوفو حيث تدرس واشنطن إنهاء قوة حفظ السلام التابعة للناتو التي تضم نحو 4500 جندي.
- استبعاد شركاء مثل كييف وكانبرا من المشاركة الرسمية في قمة الحلف المرتقبة في أنقرة هذا الصيف.
- تقليص الفعاليات العامة المرافقة للقمة وتقليل مشاركة الدول الشريكة في الاجتماعات.
مخاوف أوروبية من إضعاف الردع الجماعي
يُثير هذا التوجه الأمريكي تحفظات داخلية بين عدد من حلفاء الناتو، الذين يرون أن تقليص الشراكات والمبادرات الخارجية قد يضعف منظومة الردع الجماعي، خصوصاً في مناطق شهدت نزاعات سابقة.
ويحذر بعض الخبراء من أن الانسحاب المتزامن من العراق قد يفتح المجال أمام تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة ويؤثر في استقرار إقليم كردستان، كما أن إنهاء مهمة كوسوفو يثير قلقاً أوروبياً متزايداً رغم بقاء هذا الطرح في مراحله الأولى.
إعادة هيكلة وتغييرات تنظيمية
تتزامن هذه التحركات مع مساعي الأمين العام للحلف مارك روته لإعادة هيكلة بعض أقسام الدبلوماسية العامة داخل المنظمة، في وقت يحاول فيه الناتو إقناع الرأي العام الأوروبي بجدوى أنشطته وضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي.
ويرى دبلوماسيون أن تقليص الفعاليات العامة والمشاركات في القمة المقبلة يعكس بصورة غير مباشرة الضغوط الأمريكية الأوسع لتقليص تمويل المؤسسات الدولية، بينما يبررها مسؤولو الناتو بخفض التكاليف.
لحظة مراجعة استراتيجية عميقة
تكشف هذه التطورات عن لحظة مراجعة استراتيجية عميقة داخل الحلف الأطلسي، حيث يتقاطع السعي الأمريكي لإعادة التركيز على الأمن القومي المباشر مع مخاوف الحلفاء من أن يؤدي تقليص الحضور الخارجي إلى إضعاف النفوذ الغربي في بؤر التوتر الدولية.
في المحصلة، تواجه دول الناتو معادلة صعبة بين الاستجابة للضغوط الأمريكية نحو تبني دور دفاعي بحت، والحفاظ على النفوذ الاستراتيجي في مناطق التوتر العالمية التي شكلت جزءاً أساسياً من مهام الحلف خلال العقود الماضية.



