تجميد المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران: حافة الهاوية أم بوابة التسوية؟
تجميد المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران: هل هو حافة الهاوية؟

يمكن النظر إلى تجميد المسار التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة من زاويتين؛ الأولى: أنه إشارة حاسمة على اقتراب استئناف الحرب وعودة القتال بين الطرفين، والثانية: أنه مرحلة من مراحل إدارة الصراع، حيث تستخدم الدبلوماسية كامتداد للتكتيك وليست بديلاً عنه.

التصعيد المحسوب بين الطرفين

منذ جمود محادثات إسلام آباد بعد جولة أولى لم تسفر عن شيء، ومحاولات مستمرة لعقد جولة ثانية، دخلت العلاقة بين الطرفين في نمط متكرر يمكن تسميته «التصعيد المحسوب». بدا كل طرف يرفع سقف مطالبه أو ضغوطه دون أن يذهب إلى نقطة اللاعودة أو حافة الهاوية. في هذا السياق، يبدو التجميد أقرب إلى أداة ضغط متبادل، فواشنطن تدرك أن أي تنازل دون مقابل ملموس يمكن أن يفسر على أنه ضعف أو عدم تحقيق أهداف الحرب، خاصة في بيئة سياسية حساسة تتداخل فيها الحسابات الخارجية مع الاستقطاب الداخلي.

مقترح مرفوض وتكلفة مرتفعة

ترى طهران أن الصمود أمام العقوبات، حتى لو بدت تكلفته الاقتصادية مرتفعة، يمنحها أوراق قوة تفاوضية، ومن هنا تتمسك بالسيطرة على مضيق هرمز. مع الضغوط والتلويح بالقوة العسكرية من قبل واشنطن، سارعت طهران إلى تقديم مقترحها الأخير، الذي تضمن ثلاث مراحل، تبدأ بوقف الحرب بضمانات دولية. نصت المرحلة الثانية على رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية مقابل فتح هرمز، على أن يتم بحث وضع هذا المضيق. اقترح وزير خارجية إيران، خلال زيارته إلى سلطنة عمان، تقاسم المضيق بين البلدين، لكن مسقط ردت بالرفض، وفق ما أفاد مسؤولون أمريكيون لصحيفة نيويورك بوست. تتضمن المرحلة الثالثة من المقترح الإيراني، الذي رُفض أمريكياً، مناقشة مسألة البرنامج النووي الإيراني.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

سؤال عودة الحرب يظل مشروعاً

يظل السؤال عن عودة الحرب مشروعاً، لأن تراكم التوترات وتبادل التهديدات بين طرفي الصراع، فضلاً عن الحشد العسكري الأمريكي بالقرب من إيران، يرفع من مستوى احتمال الانزلاق إلى تجدد المواجهة في أية لحظة. مضيق هرمز وما يحدث فيه من ملاحقات وتوقيف للسفن أو إطلاق نار يزيد من خطر إمكانية التدحرج بسرعة إلى مواجهة أوسع. بيد أن ثمة من يرون أن كلا الطرفين (أمريكا وإيران) لا يملكان حافزاً لتجدد القتال، رغم التفوق العسكري الكاسح للولايات المتحدة. صمود اتفاق وقف النار حتى الآن رغم حالة الانسداد السياسي يدلل على ذلك. فيما الوضع على الضفة الأخرى، فإن إيران لم تعد تمتلك أية قدرات عسكرية لتحمل عودة المواجهة العسكرية أو تكلفتها اقتصادياً أو سياسياً.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الجمود العسكري والتفاوضي

هذا الجمود على المستوى العسكري والتفاوضي معاً يفسر لماذا تميل الأمور غالباً إلى البقاء في منطقة رمادية؛ أي لا حرب ولا اتفاق. تلعب الوساطات الإقليمية والدولية دوراً حاسماً، إذ إنها تتيح قنوات خلفية لتخفيف التوتر أو إعادة إحياء التفاوض. من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل إمكانية حدوث اختراق في اللحظات الأخيرة، خاصة عندما تصل الأمور إلى حافة الهاوية. التجارب السابقة تكشف أن المفاوضات غالباً ما تصل إلى حافة الانهيار قبل أن يعاد تجميعها عبر حلول وسط مؤقتة أو اتفاقات جزئية، باعتبار أن كلفة الفشل الكامل تكون في نهاية المطاف أعلى من كلفة التنازل المحدود، الأمر الذي يدفع الأطراف غالباً إلى إعادة الحسابات عندما تقترب من الحافة.

العيش على إيقاع الترقب

في ضوء كل ما سبق، يبدو مستقبل الأزمة القريب محكوماً باستمرار هذا النمط بين التصعيد المحدود ورسائل التهديد المتبادلة، وسط محاولات متقطعة لإحياء مسار التفاوض. لكن إمكانية الوصول إلى اتفاق شامل وسريع بين واشنطن وطهران في اللحظة الراهنة يبدو أمراً بعيد المنال، في ظل تعقيدات الملفات والهوة الواسعة بين الطرفين. ومن ثم، فإن التجميد ليس نهاية المسار بقدر ما هو تعثر ضمن مسار أطول وأكثر تعقيداً، ويمكن القول إنه جزء من لعبة «شد الحبال» التي قد تطول، إذ يحاول كل طرف تحسين موقعه. بين حافة الهاوية وبوابة التسوية، تستمر المنطقة في العيش على إيقاع الترقب، إذ يظل كل شيء ممكناً، وتبقى كل السيناريوهات فوق الطاولة، لكن ضمن حدود تفرضها حسابات الكلفة والمخاطر.