نجيب يماني وزير الطاقة.. فلسفة الصمت وحكمة التريث في زمن الأزمات
نجيب يماني وزير الطاقة.. فلسفة الصمت وحكمة التريث

في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي لعام 2026، ظهر وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان كصورة مجسّمة للمملكة في علو كعبها، ونائف مقامها، وسديد قولها، وبليغ حكمتها. جاءت كلماته رسائل بالغة الدقّة لقطاع الطاقة، فيها من التطمين ما أشاع الأمل وسط الترقّب الحذر والمخاوف الجسام، ليعلنها بثقة مطلقة وصوت جهير لا لبس فيه: «نحن مزوّد مرن للطاقة، كنّا وسنظلّ كذلك في جميع الظروف».

نظرة حكيمة لضبط الاقتصاد العالمي

في طي هذه الكلمات تكمن نظرة المملكة الحكيمة والواعية لضبط ميزان الاقتصاد العالمي، وتغليب الخيار الأمثل في الحلول بضرورة تقدير الظروف وفق ما تقتضيه من معالجة تحفظ التوازن، وتبقي على معادلات الاقتصاد العالمي على إيقاع الانسجام والمنافع المتبادلة. غير غافلة على الإطلاق جسامة الواقع، بحسب تعبير الأمير عبدالعزيز ووصفه للأحداث الجيوسياسية الراهنة بأنّها تشتت الانتباه وتعيق التركيز عن الأولويات الاستراتيجية للمملكة، وفي مقدمتها مستهدفات «رؤية 2030».

رسالة تطمين تعكس مكانة المملكة

رغم ذلك، جاءت رسالة التطمين هذه لتؤكد مكانة المملكة وقدرتها وحكمتها بتغليب خيار المصلحة العامة على المكاسب الضيقة. وامتدت الرسالة ذاتها لتشيع الطمأنينة في ربوع الوطن في مُجلّى قوله: «نحن مدينون لأنفسنا ولكلّ مواطن سعودي بأن نتحدى هذه البيئة الصعبة، ونواصل الالتزام بطموحاتنا، فالمملكة تمتلك القدرة والثقة الكافية للتعامل مع التحديات وإظهار مرونتها الاقتصادية والتشغيلية أمام العالم».

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

دليل ملموس على النجاح

هذه العبارات على إيجازها، تؤكد ما هو آكد وحاضر في أرض الواقع، الذي ساق له الوزير دليلاً ملموساً يتبدى «بنجاح البنية التحتية والمنظومة اللوجستية للمملكة في تحويل المآسي فرصاً، وإدارة موسم الحج بنجاح قياسي غير مسبوق رغم الاضطرابات الإقليمية المحيطة». إن إشارة الوزير هذه ترتكز بشكل أساسي إلى إرثٍ أصبح «ماركة مسجلة» باسم المملكة، وكأنه يشير بطرف خفيٍّ إلى ما حقّقته المملكة ودوّنته في سجل الإنجاز العالمي إبّان جائحة كورونا، فجاء ترتيبها على إيقاع الحكمة والقدرة والمكنة، مثل ما يظهر اليوم مع هذه الأزمة.

فلسفة الصمت في زمن المجاهيل

أما سمعت لوزير الطاقة في سانت بطرسبرغ، وهو يكشف سرَّ التزامه الصّمت طوال المدة الماضية، على الرغم من راجح مثقال كلمته في المحافل الدولية خصوصاً والأمر يتعلّق بأزمة الطاقة عالمياً، حيث جاء قوله على سُلّم الرّزانة، وإيقاع الرويّة: «الوزير مطالب بالحفاظ على هدوئه وعدم الهلع لأن الذّعر يفقدك السيطرة على السرديّة. أنوي الحفاظ على صمتي؛ لأن الصّمت في خضم المجاهيل الكثيرة هو رسالة وإقرار متواضع بأن الواقع يتبدّل بسرعة، وهو شكل من أشكال احترام الذّات والآخرين».

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

فما أعظمها من كلمات، وما أشرقه من تعبير عن الذات، فكأن الشاعر قد عناه بالقول: منّا الأناةُ وبَعضُ القومِ يحسَبُنا أَنا بِطاءٌ وفي إبطائِنا سِرَعُ.

في كنانة المملكة الكثير لتجاوز المرحلة العصبية

إن في كنانة المملكة الكثير لتجاوز هذه المرحلة العصبية التي يشهدها العالم، وخصوصاً فيما يتعلّق بأسواق النفط، وهو عين ما أشار إليه وزير الطاقة بقوله: هناك الكثير من الأجزاء والعوامل المتحرّكة، الكثير من الأمور المجهولة، والكثير من الأشياء التي نعتقد أنها أصبحت واقعاً، ولكن نستيقظ في اليوم التالي لنجد أن الواقع ليس واقعاً، وإنما حلم بعيد المنال، أو أمل متخيّل، أو أمنية. لذا في هذه الظّروف التي يعتمد فيها المرء مجدّداً على المنطق ويقول إنه إذا لم تكن تعرف، فتحلَّ بالصّمت... فالتحلّي بالصّمت هو شكل من أشكال الرسائل، ألا ما أبلغ هذا الصمت، وما أبدع قيادة ترى أفقاً تتقاصر دونه بصائر الآخرين.

القدرة على ضبط النفس عند الشدائد

القدرة على ضبط النفس عند الشّدائد والمحن والأزمات، ووسمها بميسم الحكمة والريث والروية، عنصر من أوجب الواجبات التي من المفترض أن يتحلّى بها أيّ مسؤول، ويتقيّد بها كلّ من ألقيت على عاتقه المهام الجسام، كونها تمثلّ الركيزة الأساسية لتجاوز كافة العقبات؛ إنْ لم يكن بكامل النّجاح، فلا أقلّ من أن يكون بأقلّ الأضرار وأهونها. متجاوزاً بهذه القدرة عقابيل الاستجابات الفورية في اندفاعها الفوّار، وانفعالها المستشطِّ وفق مترتبات ردِّ الفعل، فتأتي هذه القدرة التي يتمايز بها الناس ويتفاضلون، فتحيل هذه العواطف الجيّاشة إلى طاقة إيجابية بمحركات الصّمت الإيجابي، المحفّز على التفكير العميق، والمُغلّب للخيارات في مرآة التخطيط المنطقي، مع ترتيب الأولويات لتجاوز التحديات بوعي وثبات.

عهد سلمان وولي عهده الأمين

من منن الله العظيمة على هذه البلاد المباركة، أن أنعم عليها بقيادة راشدة في وعيها، حكيمة في قرارها، مقتصدة في قولها إلّا بمقدارِ ما يوصل الرسائل في بريد من تعنيهم. هذه الحقبة الزاهرة عهد سلمان، وولي عهده الأمين، أدركت لهذه الحكمة معنى آخر مع «الرؤية».. فانظر، وتأمّل العقبات والصعاب والشدائد التي واجهتها المملكة وآخرها الأزمة التي تعيشها المنطقة جرّاء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وما ترتب عليها من اعتداءات سافرة وجهتها إيران إلى المملكة ودول الخليج العربي، فضلاً عن إغلاقها لمضيق هرمز، مما شكّل عائقاً أمام تدفّق حركة الملاحة الطبيعية، محدثة أزمة اقتصادية تجاوزت المحيط الإقليمي إلى العالمي تبعاً لتوقف إمداد النفط والمشتقات البترولية، فظلت المملكة طوال هذه الأزمة، وما زالت، ملتزمة بأقصى احتمال لضبط النفس، متّسمة بالحلم والأناة، ملتزمة صمتاً ذا دلالات ومعانٍ.. حفظ الله لنا هذه القيادة الحكيمة، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار.