في ظل المشهد الاستثنائي الذي يقدمه كأس العالم 2026، حيث تهز النتائج الثقيلة غير المتوقعة عرش الكرة العالمية، يرى الاستشاري النفسي المهتم بالشأن الرياضي الدكتور محمد الغامدي أن هذه النسخة دخلت مرحلة "إعادة تشكيل موازين القوة" في اللعبة. فقد شهدت البطولة هزائم مدوية مثل فوز ألمانيا على كوراساو 7-1، وكندا على قطر 6-0، والسويد على تونس 5-1، وهولندا على السويد 5-1، والولايات المتحدة على باراغواي 4-1، والنرويج على العراق 4-1، وإنجلترا على كرواتيا 4-2، واليابان على تونس 4-0، مما أثار جدلاً واسعاً بين الجماهير والمحللين.
تفسير متعدد الأبعاد للنتائج الكارثية
أكد الغامدي في تصريحاته لـ"عكاظ" أن هذه النتائج الكبيرة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل هي حصيلة تداخل عدة عوامل. يأتي على رأسها الجانب الفني والتكتيكي، حيث يتحمل المدرب وخطة اللعب جزءاً كبيراً من المسؤولية، خاصة عند سوء قراءة الخصم أو الاعتماد على أساليب لعب لم تعد فعالة في كرة القدم الحديثة. كما لا يمكن إغفال دور اللاعبين أنفسهم، سواء من حيث انخفاض المستوى البدني أو غياب التركيز أو ضعف الانسجام داخل الملعب، وهو ما يظهر بوضوح في المباريات التي تنتهي بفوارق كبيرة في الأداء والأهداف.
الجانب النفسي: الانهيار الذهني قبل الفني
أشار الغامدي إلى أن الجانب النفسي كان له تأثير بالغ في هذه البطولة. فالضغط الإعلامي والجماهيري الهائل، إلى جانب توقعات الفوز المسبق لبعض المنتخبات، خلق حالة من التوتر والانهيار الذهني لدى بعض اللاعبين، مما انعكس مباشرة على الأداء داخل الملعب. وأضاف أن الهزائم الكبيرة لا تؤثر فقط على النتيجة، بل تترك آثاراً نفسية طويلة المدى على اللاعبين والجهاز الفني، وقد تؤدي إلى اهتزاز الثقة وتراجع الروح المعنوية بشكل واضح. ووصف هذه الهزائم بأنها "جرح نفسي طويل المدى" يحتاج إلى معالجة متخصصة.
سبل استعادة الهيبة: إعادة بناء شاملة
وعن كيفية استعادة المنتخبات المتضررة لهيبتها، قال الغامدي: "الطريق يبدأ من إعادة البناء الشامل، وليس مجرد التعديل المؤقت". ويشمل ذلك مراجعة دقيقة للجوانب الفنية، وتقييم أداء الجهاز التدريبي، وإعادة اختيار العناصر بناء على الجاهزية البدنية والذهنية وليس الاسم أو الشهرة. كما أن إعادة الهيبة تتطلب أيضاً منح الفرصة للوجوه الشابة التي تمتلك الحماس والطموح، مع الحفاظ على مزيج متوازن بين الخبرة والشباب، إلى جانب تطوير أسلوب اللعب بما يتماشى مع تطور كرة القدم العالمية السريعة والضاغطة.
توقعات الأدوار الإقصائية: شراسة وحذر تكتيكي
خلص الغامدي إلى القول: "المنافسة ستصبح أكثر شراسة مع تقدم الأدوار الإقصائية، حيث ستسعى المنتخبات الكبرى إلى تصحيح أخطائها، بينما ستواصل المنتخبات الفائزة اللعب بثقة عالية بعد النتائج الإيجابية التي حققتها". ويتوقع أن تشهد المباريات القادمة مزيداً من الحذر التكتيكي، مع ارتفاع مستوى الانضباط الدفاعي، وتقليل الأخطاء الفردية التي كانت سبباً في العديد من النتائج الثقيلة. وأكد أن كأس العالم 2026 ستبقى نسخة استثنائية بكل المقاييس، ليس فقط بسبب النتائج، بل لأنها أعادت التأكيد على أن كرة القدم الحديثة لا تعترف بالأسماء، بل بالأداء داخل الملعب فقط.



