لم يكن «القعقاع اليمني» مجرد شاب يتسلق منحدرات «حرضة دمت» البركانية، بل كان جزءاً لا يتجزأ من المشهد الطبيعي الذي اعتاد الزوار مشاهدته في واحدة من أشهر الوجهات الطبيعية بمحافظة الضالع. أمضى سنوات طويلة وهو يهبط إلى أعماق الفوهة ويعود منها، حابساً أنفاس الحاضرين ومثيراً دهشتهم في كل مرة، قبل أن تنتهي رحلته بالسقوط إلى الموت في المشهد الأخير من مغامرة لازمته لسنوات.
القعقاع.. كاتب الأسماء على جدران البركان
كان «القعقاع» يكتب أسماء الزوار على جدران الحرضة مقابل مبالغ بسيطة، في أماكن يصعب الوصول إليها. بقيت الأسماء شاهدة على مغامراته، فيما غاب صاحب الخط نفسه إلى الأبد، تاركاً خلفه قصة امتزج فيها الشغف بالخطر، وانتهت بمأساة هزت اليمنيين.
البطل الذي لم يتوقف
اعتاد الزوار مشاهدة عروض «القعقاع» اليومية على حافة الموت، وهو يتنقل بين الصخور والمنحدرات بخفة لافتة، حتى أصبح جزءاً من هوية المكان. ومع مرور السنوات، تحول «القعقاع» إلى وجه معروف لكل من قصد الحرضة الكبريتية، غير أن اعتياده على الخطر لم يمنع النهاية التي كان الجميع يخشونها. ورغم التحذيرات المتكررة من خطورة ما يقوم به، واصل مغامراته اليومية، مدفوعاً بشغفه بـ«الهواية - المهنة» التي صنعت شهرته وجعلته أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالموقع السياحي.
من بطل إلى «ترند»
بعد رحيله، تحولت قصته إلى مادة واسعة التداول على منصات التواصل الاجتماعي، وتسابق صناع المحتوى على إعادة نشر مقاطع مغامراته ورواية تفاصيل حياته، في سباق لحصد المشاهدات والتفاعل. المفارقة أن الرجل الذي كان يصنع محتواه الحقيقي أمام آلاف الزوار لم يتمكن من جني ثمار شهرته الرقمية، بينما حقق آخرون ملايين المشاهدات من خلال مقاطع صُورت له خلال مغامراته اليومية.
أحلام لم تكتمل
بحسب مقربين منه، كان «القعقاع» يسعى للاستفادة من شهرته عبر إنشاء محتوى رقمي وتحقيق دخل من منصات التواصل الاجتماعي، كما كان يبحث عن وسائل لتطوير الموقع وتحسين الخدمات فيه، أملاً في تحويل شهرته إلى مصدر رزق أكثر استقراراً. وتشير مراسلات متداولة إلى أنه كان يستفسر عن آليات تحقيق الأرباح من المحتوى المنشور على منصات التواصل، إلا أن تلك الأحلام توقفت فجأة مع رحلته الأخيرة.
عاشق الاتحاد
بعيداً عن المغامرات الخطرة، كان لـ«القعقاع» حلم آخر ارتبط بكرة القدم. فقد بدأ مشواره حارساً للمرمى في فريق قريته بمديرية دمت، وكان معروفاً بين أصدقائه بعشقه لنادي الاتحاد السعودي ومتابعته المستمرة لأخباره. لكن الظروف التي مر بها اليمن وتوقف كثير من الأنشطة الرياضية دفعت به بعيداً عن الملاعب، ليتجه إلى طريق مختلف تماماً، انتهى به إلى أن يصبح أشهر متسلق لفوهة بركانية في المنطقة.
قارورة عطر
حاول «القعقاع» خوض تجربة الإعلانات التجارية عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، أملاً في تحسين دخله المعيشي، إلا أن محاولاته بقيت محدودة ولم تحقق العائد الذي كان يطمح إليه. ويروي مقربون منه أن أحد الإعلانات التي قدمها لمحل عطور محلي لم تدر عليه سوى قارورة عطر، في مشهد يلخص الفجوة الكبيرة بين شهرته الواسعة وما كان يجنيه فعلياً من تلك الشهرة.
رحل «القعقاع»، وبقيت أسماء خطها بيده خلال سنوات طويلة على جدران الحرضة. أما قصته، فستبقى محفورة في ذاكرة من شاهدوا مغامراته، في المكان الذي منحه الشهرة وأخذ حياته في النهاية.



