حين تتحول المدرسة إلى مصنع درجات: التعليم بين الحفظ والإبداع
حين تتحول المدرسة إلى مصنع درجات!

لم تكن المدرسة في أصل فكرتها مكاناً لحفظ المعلومات واستظهار الدروس واجتياز الاختبارات فحسب، بل كانت فضاءً رحباً لتشكيل الإنسان وبناء شخصيته وصقل قدراته وتنمية وعيه بذاته وبالعالم من حوله. غير أن كثيراً من الأنظمة التعليمية المعاصرة اختزلت هذه الرسالة الواسعة في سباق محموم نحو الدرجات والشهادات، وفي رحلة طويلة من الواجبات والاختبارات والقياسات التي تجعل الطالب يشعر أن قيمته الحقيقية لا تُقاس بما يحمله من فكر أو إبداع أو قدرة على الحوار، وإنما بما يحققه من أرقام تُكتب في كشوف النتائج وتُعلق على جدران التفوق.

الطالب بين التحصيل والمشاركة المجتمعية

فالطالب الذي يحاول اليوم أن ينخرط في الفضاء العام، وأن يربط ما يتعلمه داخل الفصل بما يدور في المجتمع من نقاشات فكرية وثقافية ومعرفية، وأن يبدي رأياً أو يناقش قضية أو يشارك في شأن عام غالباً ما يواجه برسائل متكررة تدفعه إلى الانكفاء على ذاته، وتخبره بأن مهمته الوحيدة هي الدراسة والتحصيل وجمع الدرجات، وكأن الحياة أضيق من أن تتسع لفكرة أو موقف أو تجربة إنسانية تثري عقله وتوسع أفقه وتجعله أكثر قدرة على فهم العالم.

المنظومة التعليمية وتكريس ثقافة الدرجات

وتسهم المنظومة التعليمية نفسها في تكريس هذا التصور من خلال يوم دراسي طويل وممتلئ بالمقررات والواجبات والاختبارات والأنشطة المرتبطة بالتحصيل الأكاديمي المباشر، ومن خلال حقائب مدرسية تزداد وزناً عاماً بعد عام، ومن خلال ثقافة تعليمية تجعل الزمن المدرسي كله تقريباً موجهاً نحو إنهاء المقررات واستكمال الخطط الدراسية وتحقيق مؤشرات الأداء بينما تتراجع المساحات المخصصة للفنون والمسرح والموسيقى والحوار والتعبير والأنشطة التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع الطالب.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الفنون.. الضحية الأولى في السباق الأكاديمي

ومن المؤسف أن الفنون وهي إحدى أهم الأدوات التي تساعد الطفل على اكتشاف ذاته والتعبير عن مشاعره وفهم الآخرين وتقدير الجمال وتنمية الخيال والإبداع ما زالت في كثير من البيئات التعليمية تُعامل بوصفها نشاطاً هامشياً يمكن الاستغناء عنه عند أول ازدحام في الجدول الدراسي مع أنها تمثل جزءاً أساسياً من التربية الإنسانية التي لا تكتمل شخصية الفرد من دونها؛ لأنها تمنحه القدرة على التأمل والتذوق والتعبير والتواصل بطريقة تتجاوز حدود الكتاب المدرسي والاختبار الورقي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تجارب تعليمية متقدمة تركز على المهارات الحياتية

وعندما ننظر إلى بعض التجارب التعليمية المتقدمة نجد أن الاهتمام في السنوات الأولى من التعليم وهي الطفولة المبكرة لا ينصب على الحفظ المبكر للمعلومات ولا على الضغط المكثف في تعلم الحروف والأرقام بقدر ما ينصب على بناء الثقة بالنفس وتعليم الطفل مهارات التواصل واحترام الاختلاف والتعبير عن الرأي والعمل الجماعي وحل المشكلات، وهي مهارات تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تشكل لاحقاً الأساس الذي تقوم عليه شخصية الإنسان القادرة على التفكير المستقل والحوار الواعي والمشاركة الإيجابية في المجتمع.

تنشئة الطفل على الحوار واحترام الاختلاف

فالطفل الذي يتعلم منذ سنواته الأولى كيف يعرّف بنفسه أمام الآخرين، وكيف يدافع عن فكرته بأدب، وكيف يقبل النقد، وكيف يقول: "أنا لا أتفق مع رأيك" دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة أو عداوة، ينشأ وهو يدرك أن التنوع الفكري أمر طبيعي، وأن احترام الإنسان لا يعني بالضرورة تبني أفكاره، وأن الحوار سبيل للفهم لا ساحة للصراع، وهي قيم يحتاجها المجتمع بقدر حاجته إلى العلوم والمعارف الأكاديمية.

نتائج التركيز المفرط على الدرجات

ولهذا لا ينبغي أن نفاجأ حين نرى بعض الخريجين يحملون شهادات جامعية مرموقة، ويحصلون على معدلات مرتفعة، لكنهم يعجزون عن الوقوف أمام جمهور صغير للتحدث بثقة، أو يجدون صعوبة في التعبير عن أفكارهم بوضوح، أو يترددون في المشاركة في النقاشات العامة؛ لأن سنوات طويلة من التعليم ركزت على تدريبهم على الإجابة عن الأسئلة أكثر من تدريبهم على طرحها، وعلى الحفظ أكثر من التفكير، وعلى التلقي أكثر من المبادرة.

قياس نجاح التعليم: الإنسان المتوازن

إن نجاح المنظومة التعليمية لا يقاس بعدد الشهادات التي تمنحها، ولا بعدد الدرجات التي يحققها طلابها، وإنما يقاس بقدرتها على صناعة إنسان متوازن، يمتلك المعرفة والوعي والثقة والقدرة على الحوار والتفكير والإبداع، إنسان يستطيع أن يرفع رأسه أمام الناس، وأن يعبر عن رأيه بوضوح، وأن يشارك في بناء مجتمعه بعقل مفتوح وشخصية مستقلة وروح قادرة على التعلم المستمر مدى الحياة.