يحذر مقال جديد من تحول الثقة بالنفس إلى ما يعرف بـ"العزة بالإثم"، وهي حالة يظن فيها الإنسان أن كثرة إصاباته السابقة تجعل رأيه صائبًا دائمًا، فيكف عن مراجعة نفسه والسؤال: "ماذا لو كنت مخطئًا؟". ويؤكد الكاتب تركي بن طلال بن عبدالعزيز أن النضج الحقيقي يكمن في التواضع الفكري، والبحث عن الحق بغض النظر عن قائله، والاستعداد للاعتراف بالخطأ حتى لو خالف ذلك الصورة التي كونها الإنسان عن نفسه.
بداية الفخ
يشير المقال إلى أن الإنسان الذي راكم النجاحات وأصاب في عديد من قراراته يصبح رأيه أقرب إلى الصواب من غيره، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا السجل من النجاحات إلى شعور خفي يقول: "لقد أصبت كثيرًا من قبل، فلا بد أنني مصيب الآن أيضًا". ويضرب المثل بإبليس الذي لم يجهل أمر الله، لكن الكبر حال بينه وبين الامتثال، قائلاً: "أنا خير منه". وهنا تتسلل العزة بالإثم دون أن يشعر صاحبها.
مرآة النفس
يقدم الكاتب اختبارًا بسيطًا يكشف به الإنسان نفسه: عندما يخالفني أحد، هل أبدأ بالبحث عن موطن الخطأ في حجته، أم أبدأ بالبحث عن احتمال الخطأ في حجتي؟ فإن كان الدافع الأول دائمًا هو الدفاع، فهذه إشارة تستحق التوقف. فالإنسان الباحث عن الحقيقة لا يرى في كل مخالف خصمًا، بل يرى في كل رأي فرصة لاختبار ما يعتقده.
الحق والرجال
يستشهد المقال بموقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين راجعته امرأة في مسألة المهور، فلم تمنعه منزلته من أن يقول: "أصابت امرأة وأخطأ عمر". فالكبر أن يمنعك مقامك من الرجوع إلى الحق، أما العظمة فألا يمنعك مقامك من الاعتراف به. ويؤكد أن الحقيقة لا تعرف بالرجال، بل يعرف الرجال بالحق. فالباحث عن الحقيقة يسأل: "هل هذا القول صحيح؟" قبل أن يسأل: "من الذي قاله؟".
الحجاب الخفي
يرى الكاتب أن أخطر ما في العزة بالإثم ليس أنها تمنع الإنسان من قبول الحق فحسب، بل إنها قد تحجبه عن رؤيته من الأساس؛ إذ ينشغل العقل بالدفاع عن القناعات التي تبناها أكثر من فحصها، وبجمع ما يؤيدها أكثر من البحث عما قد يكشف خللها. ويستشهد بقوله تعالى عن فرعون وقومه: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم"، فليست المشكلة دائمًا في غياب البرهان، بل في وجود حواجز نفسية تمنع الاستجابة له.
محامي النفس
يشير المقال إلى أن العزة بالإثم قد تنشأ من قدرة عقلية عالية تسخر في غير موضعها؛ فكلما ازدادت قدرة الإنسان على الجدل، ازدادت قدرته على إيجاد المبررات لما يريد التمسك به، ولو كان خطأ. فلا ذكاء يعصم، ولا خبرة تغني عن المراجعة. فبعض الناس لا يضلهم نقص الأدلة، وإنما يضلهم الاكتفاء بما لديهم منها.
أسير الصورة
يوضح الكاتب أن جذور العزة بالإثم قد تكون أعمق من الرأي نفسه؛ إذ قد لا يتمسك الإنسان بفكرته لأنها صحيحة، بل لأنها أصبحت جزءًا من صورته عن نفسه. فكلما ارتبطت مكانته في عينه بكونه مصيبًا، أصبح الاعتراف بالخطأ تهديدًا لهويته لا مراجعةً لفكرته. ولهذا كان التواضع الفكري فضيلة نادرة؛ لأنه لا يطلب من الإنسان أن يهزم غيره، بل أن يهزم الجزء في داخله الذي يفضل أن يكون محقًا على أن يكون صادقًا.
ماذا لو كنت مخطئًا؟
يختتم المقال بالتأكيد على أن النضج ليس أن تدافع عن رأيك دائمًا، بل أن تغادره إذا غادره الحق. ويبقى السؤال الأهم: هل أبحث عن الحقيقة ولو خالفتني، أم أبحث عما يؤكد أنني كنت على حق؟ ففي الجواب على هذا السؤال يختبئ الفرق بين الثقة بالنفس والعزة بالإثم. وما دام الإنسان يسأل: "ماذا لو كنت مخطئًا؟" فباب الحقيقة ما زال مفتوحًا أمامه. أما حين يموت هذا السؤال، فإن الإنسان لا يعود يختبر أفكاره، بل يبني حولها الأسوار، وتتحول حماية الصورة إلى هوية يدافع عنها، وهناك يبدأ الطريق الخفي إلى العزة بالإثم.



