خديعة الحب: بين النفعية النفسية وسقوط الأقنعة
خديعة الحب: بين النفعية النفسية وسقوط الأقنعة

يقدم د. عبدالله محمد الحارثي في مقاله "خديعة الحب" رؤية فلسفية نقدية للمشاعر الإنسانية، حيث يرى أن ما نسميه حباً ليس سوى انعكاس لحب الذات ومحاولة لسد نقص وجودي عبر الآخر. ويؤكد الكاتب أن العلاقة العاطفية تقوم على "منفعة نفسية" غير معلنة، تنهار متى توقف الطرف الآخر عن أداء دوره كمصدر للإمداد الوجداني، لتتحول المشاعر إلى جفاء أو خيبة.

الحب كأداة إسقاط لا اعتراف

يصف الكاتب النفس البشرية بأنها كيان نهم يبحث عن صورته المنعكسة في الآخر، فالحب في جوهره الفلسفي أداة إسقاط لا اعترافاً بالآخر لذاته. ويوضح أن ما نطلق عليه حباً ليس سوى محاولة لاستكمال النقص الوجودي؛ فنحن لا نعشق الإنسان بوصفه كينونة مستقلة، بل نعشق "حالة" وجودنا في حضرته وما يمنحه لنا من امتلاء عاطفي وإشباع وجداني وتخدير لمخاوفنا من الوحدة والعدم.

النفعية النفسية والعقد الضمني

يخضع هذا التعلق لمنطق النفعية النفسية، حيث يُبنى كل إعجاب أو ارتباط على "عقد ضمني" غير مرئي قوامه المقايضة الشعورية. الشخص لا ينجذب إلى الآخر لشخصه المجرد، بل لما يحدثه هذا الآخر من صدى يغذي الأنا ويشبع رغباتها الدفينة؛ فالمحب هو في الحقيقة محب لذاته من خلال وسيط، يبحث في الآخر عن مرآة تعكس كماله الموهوم أو عن مساحة يفرغ فيها تراكماته العاطفية. وهذا يجعل الحب رهناً بقدرة الطرف الآخر على البقاء مصدراً لهذا الإمداد النفسي.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

انهيار المشاعر عند توقف الإشباع

هذه الطبيعة النفعية تحول المشاعر إلى كائن حي يتنفس بقدر ما يُغذى؛ فإذا تعطلت ماكينة الإشباع أو خفتت قدرة الطرف الآخر على سد الفجوات الوجدانية، تبدأ قلاع الحب بالتداعي. خيبة الأمل التي تعقب انقطاع العطاء ليست سوى اصطدام بالواقع بعد انقشاع غبار الإسقاطات، حيث يدرك المرء فجأة أن موضوع حبه لم يعد يؤدي وظيفته التي أنشئ من أجلها، فتتحول العاطفة من فيض جار إلى جفاء بارد أو استياء مرير ينم عن حقيقة أن الحب كان مجرد صدى لاحتياج لم يُلبَّ.

الحب الخالص وهم يتلاشى

يخلص الكاتب إلى أن تحول مشاعر الحب ليس خيانة للعهد أو ضعفاً في الوفاء، بل هو الامتثال الحتمي لقانون التوازن في النفس الإنسانية؛ إذ لا يمكن للعاطفة أن تقتات على الفراغ. في اللحظة التي يفقد فيها الآخر قيمته الوظيفية كـ "مانح" للراحة النفسية، يسقط القناع عن وهم الحب الخالص، لنكتشف أننا كنا نحب في الآخرين قدرتنا على الاستمتاع بوجودهم، لا وجودهم ذاته. وهذا يجعل دوام المودة مرهوناً دائماً ببقاء معادلة الإشباع قائمة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي