في مسار الصعود المهني، تُعد الخبرة المتراكمة والنجاحات السابقة الرصيد الأثمن الذي يستند إليه كبار المحترفين والقيادات لبناء سمعتهم المؤسسية وصناعة قراراتهم الاستراتيجية. ومع ذلك، ينشأ في منعطفات الاستقرار التنظيمي عارض سلوكي بالغ الخطورة، يتسلل بنعومة ودون وعي قيادي حقيقي، ليحول تلك الأمجاد القديمة من مصدر إلهام إلى حجب معرفي. هذه المعضلة نطلق عليها "غرور الصواب"؛ وهي حالة من اليقين الزائف تجعل المسؤول يرى نفسه معصوماً من الخطأ الإداري، وممتلكاً حصرياً لمفاتيح الحقيقة، لمجرد أن خططه القديمة قد نجحت يوماً ما.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه المنشآت الطموحة اليوم ليس نقص الموارد أو غياب الكفاءات، بل تلك "النرجسية الفكرية" التي تصيب العقول القيادية حين ترتهن لتجاربها السابقة، وتصم آذانها عن سماع الأفكار المتجددة، مما يوقع المنظمة في فخ "الرأي الواحد" ويحكم عليها بالجمود أمام الفرص الاستراتيجية المتسارعة.
سيكولوجية "وهم العصمة" وكيف تخذلنا النجاحات القديمة؟
ينبت "غرور الصواب" في بيئة تشبعت بالمديح المستمر والاحتفاء المبالغ فيه باللقطات السريعة للإنجازات العابرة. في هذه الأجواء، يبدأ المسؤول بربط هويته الشخصية بصواب رأيه الدائم، متناسياً أن ظروف السوق، والأدوات، وسلوكيات الكفاءات في تغير مستمر لا يتوقف. هذا الانحياز السلوكي يدفع القائد للوقوع في شرك الاعتقاد بأن المعادلة التي نجحت في الأمس هي بالضرورة صالحة لإدارة المستقبل.
المشكلة الجوهرية هنا أن هذا الوهم يحول الخبرة من أداة مرنة للاستبصار إلى "قالب جامد" يرفض المساءلة الذاتية أو السؤال الجريء: "ماذا لو كنت مخطئاً؟". حين تترسخ هذه السيكولوجية، يتحول النقاش في غرف الاجتماعات من عصف ذهني يبحث عن القيمة المضافة والابتكار، إلى منصة لاستعراض العضلات المعرفية وفرض الإرادة الفوقية الجافة، مما يتسبب في إطفاء النور الداخلي للمبدعين ودفعهم نحو "الاستقالة النفسية".
تهميش الصف الثاني والتبعات الكارثية للرأي المنفرد
عندما تدار المنشأة بعقلية الرجل الأوحد والمنظور الأحادي، تقع المنظومة في حالة من الفصام التنظيمي الحاد. يصبح دور الكفاءات الواعدة والصف الثاني مجرد تنفيذ الحرف والامتثال للنصوص، دون منحهم المساحة الكافية للتفكير وترك بصمتهم الاحترافية. هذا السلوك يرسخ بيئة عمل تعاني من "بُخل المعرفة" واحتكار القرار، حيث يُنظر إلى مبادرات الشباب والشابات على أنها مجرد مغامرات تفتقر للنضج، مقابل قدسية رأي الخبير.
إن المنظمة التي تسمح بوجود "قيادات جامدة" تختبئ خلف حصن نظام قديم وتحجب الضوء عن طاقات الصف الثاني، هي منظمة تراكم خسائر خفية ستهز استقرارها على المدى الطويل. غياب التمكين الحقيقي لا يؤدي فقط إلى هدر الذاكرة المؤسسية عند خروج تلك الكفاءات المستنزفة من المنظومة، بل يصنع بيئة هشة تعجز عن توليد الحلول البديلة والديناميكية في لحظات الأزمات والتحولات الحرجة.
حقيقة إدارية: إن الثقة القيادية التي لا يرافقها تواضع معرفي وقدرة على الاستماع تتحول إلى "ديكتاتورية مقنعة"؛ والمنظمة التي تفرط في تقديس الآراء الفردية لكبار رجالها، تنتهي بكسر مجاديف مبدعيها وخسارة سباق الابتكار بأكمله.
التحرر نحو التواضع الفكري وهندسة القرارات المرنة
في ظل القفزات النوعية والتحولات الكبرى التي تشهدها بيئة الأعمال السعودية تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030، لم يعد هناك مكان للإدارة القائمة على الفزعات أو الفوقية الفكرية. الريادة المعاصرة تقتضي الانتقال نحو قيادة الأثر عبر تبني "التواضع المعرفي" (Intellectual Humility) كأصل استراتيجي يبني الأمان النفسي داخل الفريق ويشجع على التدفق الحر للأفكار.
القائد الملهم والناضج لا يخاف من ظهور فكرة أحدث تفند قناعاته القديمة، بل يمتلك الفضول الأخلاقي والشجاعة السلوكية ليرحب بالنقد البناء ويجعل من البدايات مساحة لشحذ الهمم وتكامل العقول. حوكمة صناعة القرار تقتضي تصميم قنوات اتصالية مرنة تضمن صياغة حلول جماعية تشبه طموح الوطن، وتجبر المنظومة على الخروج من منطقة خمولها التقليدي لصناعة الفارق الحقيقي وتوظيف الفرص والتوقيت بذكاء مؤسسي بالرصانة والوضوح.
أنسنة القيادة وبناء إرث تنظيمي عابر للأشخاص
إن السمعة الحقيقية لأي محترف أو مستشار رائد لا تُبنى بحجم الصلاحيات التي يحتكرها، بل بحجم القادة الجدد الذين يساهم في صناعتهم وتمكينهم. الارتقاء بالعمليات نحو المواصفات العالمية يتطلب "أنسنة القيادة"؛ أي تحويل السلطة من أداة للمراقبة والتوتر عند الأزمات، إلى رسالة وقيمة عليا ترعى الإنسان وتثق بقدراته وتمنحه الأمان والإنصاف للابتكار والتطور.
المنظمات الذكية هي التي تدرك أن الحفاظ على تميزها لا يكون بفرض الطاعة العمياء، بل بحماية العقول والقلوب من الجفاف الروحي وتآكل الشغف. الاستثمار في بناء ثقافة مؤسسية مرنة تسمح بمراجعة الذات وتفكيك العزة بالإثم، هو الاستثمار الاستراتيجي الذي يضمن خلود الأثر؛ فالشموع التي تضيء ممرات منشآت الوطن بجهدها الجماعي، تظل متقدة، شابة، ونابضة بالحياة إذا وجدت قيادة واعية تحمي لهيبها برصانتها وتناغمها الإنساني الرفيع.
توصيات عملية للقيادات للتحرر من فخ "غرور الصواب":
- مأسسة الحوار المرن ونقد الخطط: لا تترك اجتماعات فريقك خاضعة لعفوية اللجوء لرأيك فقط؛ ضع جدولاً دورياً يخصص لمناقشة التحديات وسماع مقترحات الصف الثاني دون أحكام مسبقة.
- تفعيل "صناعة القرار الجماعي": حوّل المشاريع الحساسة إلى ورش عمل تجمع بين خبرتك العميقة وحيوية الكفاءات الشابة، لتضمن صياغة حلول مرنة تجمع بين الأصالة والابتكار.
- الاستثمار في مراجعة الذات الاستراتيجية: اطلب تقييمات دورية محايدة لقراراتك التشغيلية؛ واجعل من التراجع عن رأي ثبت عدم جدواه علامة نضج وتميز قيادي يُحتذى به داخل المنشأة.
خاتمة
عزيزي القائد.. عزيزي المحترف والمستشار الطموح..
الخبرة وسيلة صاغها الزمن والتجربة لخدمة منشأتك ووطنك، وليست حصناً تختبئ بداخله هرباً من استحقاقات التطوير والمحاسبة للبقية. فلا تجعل من نجاحات الأمس قناعاً زائفاً يحجب عنك رؤية عبقرية الآخرين، ولا تفزع إذا خالفتك الآراء الواعدة لفريقك.
النجاح المستدام هو أن تقود فريقاً يتحرك بكامل طاقته وجاهزيته، حيث يشعر كل فرد فيه بمسؤوليته عن الأثر، وحيث يُعامل الشغف كأصل غالٍ يجب رعايته وحمايته. لتظل حاضراً بقيمتك وإرثك، قوياً برصانة نظامك، دون أن تكون مجرد ظل زائل للمنصب أو رهينة لأمجاد غابرة.
تذكر دائماً: "هيبتك القيادية لا تأتي من صناعة وهم الصواب الدائم، بل من قدرتك على بث الوضوح والإنصاف في قلوب فريقك؛ فالقائد الذي يسحقه غرور الصواب، هو قائد عاش بجسده في قمة الهرم، وترك عقله رهينة في أدراج التجارب القديمة".



