هدير الأقوال: صراع النخبة والعامة في زمن المتغيرات
تتساقط الكلمات كالمطر الهادر في كل حين، وتتأرجح النفس بين مقولات عديدة، لكن الزمن يثبت أن المقولات المتداولة تظهر وتختفي وفق ظروف اجتماعية أثرت فيها حالات بعينها. ما زلت على يقين بأن كل إنسان لديه فكرة ما يسير عليها من غير تمحيص. وقد كتبت مقالة سابقاً بعنوان «في حنايا النفس زوايا أرحب»، وهي مقالة رديفة لمقالة أخرى بعنوان «سقوط السقوط». الكتابات في الغالب لا تصمد زمناً طويلاً، خاصة الكتابة الصحفية، فهي كتابة استهلاكية تظهر وتختفي وفق ما يمور في المجتمعات. ولأن الواقع متغيّر، تستجيب المقالة الصحفية للانجراف مع المتغيّرات اليومية، وليس هناك مقالة صحفية استطاعت الصمود لسنة أو سنتين، خاصة إن كانت تعليقاً على حدث سيّار. فلننتقل خطوة لتغيير الموقع في هذه المقالة.
الفلاسفة والعامة عبر الأزمان
كان الفلاسفة عبر الأزمان يعتبرون العامة هم من انتهج الفكر البسيط، مكوّنين مكنة أو مضخة لنقل الأحاديث الرخوة من غير تمحيص. وعادة ما يكونون وسيطاً جيداً لنقل الاتهامات والشائعات. هذا الاعتبار تم بناؤه على ما يجده الفلاسفة من تنكيل إزاء أفكارهم، حين يتم الاستناد إلى العامة في محاربة أي فكرة فلسفية تناقض أو تناهض السائد.
في العصور الماضية، تمت محاربة الفلاسفة أو أصحاب الفكر النيّر، واتهموا بأنهم زنادقة مبتدعون وأصحاب رؤى فاسدة. هذه التهم يحرص العامة على نقلها والتواصي بنبذ فكرة مستحدثة أو عالم قدم مخترعاً يحيل المجرد إلى مشخص، أو مفكر وقف مناهضاً لأفكار قديمة. وفعلاً تقوم فئة السمعية أو الناقلون سمعاً ببذر ما يسمعون على زوايا الأرض ولا يعنيهم فحص ما يسمعونه أو يقولونه سواء أكان حسناً أم رديئاً.
الصراع بين المفكرين والعامة
بإزاء اعتبار أن أصحاب الرأي السديد هم من يضعون قواعد الراجح والأرجح، جرت العادة على اعتبار العامة هم الداء، وأطلقوا مفردات عدة لهؤلاء العامة: الغوغاء، والرعاع، وسقط القوم. ولم يخر الناس أو يستكينوا، بل نهضوا، وهمّهم تبادل القذف بالمفردات مع المفكرين. فقال العامة إن المفكرين ما هم إلا أناس خارج التوقيت، وليس لهم من شيء سوى دلق الكلمات.. دلق كلمات لا تفهم. هنا يصبح الحكمان ساقطين، كون كل منهما اتخذ من التعميم سبيلاً، والتعميم غالباً يجافي الحقيقة.
ظهور مفهوم النخبة
في زمن متأخر، ظهرت مفردة النخبة، وتعني أصحاب الرأي السديد من فلاسفة ومفكرين ومثقفين وأدباء. وكان ظهورها ملتصقاً بمجموعة صغيرة من الأشخاص المسيطرين على الحياة الاجتماعية، لهم المقدرة الفاعلة في التأثر ولديهم قدرة التغيير أكثر من غيرهم. حدث أيضاً استلال هذه المفردة (النخبة) من أصحابها والتصق بها الكتّاب والمفكرون، واعتبار بقية الشعب عامة (استحياء من القول إنهم غوغائيون). وكذلك تم تشريط مفردة النخبة، فيقال: النخبة السياسية والنخبة الاقتصادية والنخبة الاجتماعية...!
هذه النعرات الثقافية ليست وليدة الحاضر، بل هي متجدّدة وفق العصر وأحداثه والأفكار التي تنتجها عقول الحكماء أو الفلاسفة الذين لا يظهرون في الصورة وإنما في مقدّمة البرواز.
سيكولوجية الجماهير
عندما كتب غوستاف لوبون، عالم النفس الجماعي الفرنسي (7 مايو 1841 - 13 ديسمبر 1931)، كتابه «سيكولوجية الجماهير» ونقله إلى العربية المفكر هاشم صالح، اعتبره الدارسون الركيزة الرئيسة للحكم على الشعوب أو الجماهير كتصنيف معترف به، خاصة بعد ظهور علم النفس الاجتماعي. من البديهي أن لوبون حكم على زمنه بظروف ذلك الزمن، ولا يمكن اعتبار السيكولوجية النفسية للجماهير ثابتة، فالمتغيّرات مهولة وأدوات الزمن طرأ عليها تغيّرات جوهرية. الناس الآن يعيشون في غرفة واحدة، فهل هذا يعني توحيد آراء العامة؟ بالضرورة لا. إلا أن أهم ما يميّز الوقت الراهن في زمن مواقع التواصل الاجتماعي أنها أسقطت مفردة النخب. فهل انتصر العامة على تلك العقول التي تعتبر نفسها مسيّرة للمجتمعات؟
خلاصة
عودة للبدء، المقالة الصحفية لا تصمد طويلاً. وإزاء السؤال الأخير، أجد من الجسارة القول إن العامة لا يستطيعون تسيير مركبة فضائية من خلال خطام الجمل. وما زالت في حنايا النفس أقوال تحتاج إلى مساحة أرحب.



