لم تعد تكاليف حفلات الزواج مجرد ترف اجتماعي أو شأن عائلي خاص، بل تحولت إلى قضية مجتمعية واقتصادية تستنزف الأسر وتؤخر زواج الشباب وتدفعهم إلى الديون. هذا الواقع يعد أحد الأسباب الرئيسية لانخفاض معدلات الزواج وارتفاع معدلات الطلاق، وبالتالي انخفاض نسبة المواليد، وفقًا لتحليل الكاتب عبداللطيف الضويحي في صحيفة عكاظ.
تحول الفرح إلى كابوس مالي
خرجت كثير من مناسبات الزواج عن حجمها الطبيعي ونطاقها المنطقي، فلم تعد مجرد وليمة فرح أو اجتماع أهل، بل تحولت إلى سباق مكلف في القاعات والضيافة والتجهيزات والتصوير والهدايا. وأصبح العريس وأسرته والعروس وأهلها أسرى لتوقعات اجتماعية لا تنتهي، تحت ضغط المقارنة والمباهاة، مما يحول مناسبة الفرح إلى كابوس مالي يلاحق العروسين وأسرتيهما.
يدخل آلاف الشباب والفتيات الحياة الزوجية وهم يحملون قروضًا ومديونيات والتزامات مالية قد تمتد سنوات طويلة، مما يؤثر على استقرارهم النفسي والاجتماعي ويضعف فرص نجاح الزواج.
الحاجة إلى تشريع رشيد
يبرز هنا دور التدخل الحكومي الرشيد الذي لا يصادر الفرح ولا يمنع الناس من الاحتفال، ولكنه يعيد الأمور إلى نصابها. التشريعات الحكومية في مثل هذه القضايا لا تتدخل في الخصوصيات، لكنها تحمي المجتمع من عرف مرهق تحول إلى كابوس. ويشدد الكاتب على أن التشريع لا ينبغي أن يكون عقابيًا فقط، بل حاضنًا ومساندًا ومشجعًا على الاعتدال.
المطلوب هو تشريع يضع بروتوكولًا وسقفًا أعلى للالتزامات المالية في مناسبات الزواج، وينظم عدد الفعاليات المصاحبة للاحتفال، ويحد من الهدر الغذائي، ويمنع المبالغات التي تحولت إلى معيار اجتماعي لا يمت للزواج بصلة.
مبادرات حكومية واجتماعية
الأهم من التشريع نفسه أن يكون مصحوبًا بمبادرات حكومية واجتماعية ترفع الحرج عن الناس. فالناس لا يسرفون لأنهم يريدون الإسراف، بل لأنهم يخشون كلام المجتمع. وجود سقف نظامي واضح يمنح الأسر عذرًا نبيلًا أمام الآخرين: «النظام لا يسمح»، وبذلك يتحول التشريع من قيد إلى حماية، ومن منع إلى انعتاق وانفراج.
يمكن أن تتبنى الجهات الحكومية والجمعيات الاجتماعية مبادرات مثل: «الزواج الرشيد»، و«زواج بلا مديونية»، و«فرح بلا هدر»، بحيث تمنح الأسر الملتزمة تسهيلات وشهادات وحوافز وخصومات وأولوية في بعض برامج الدعم. كما ينبغي اعتماد قاعات أفراح مسؤولة تقدم باقات معتدلة ومعلنة وتلتزم بتقليل الهدر وتنظيم عدد الضيوف وتحجيم مظاهر البذخ.
تكامل مع خطاب ديني وإعلامي
ينبغي أن يتكامل هذا التشريع مع خطاب ديني واجتماعي وإعلامي يعيد تعريف الفرح ومفهوم الزواج. فالفرح لا يقاس بحجم المائدة ولا بعدد المدعوين ولا فخامة القاعة، بل بنجاح الخطة وفق الإمكانات دون تضحيات، وبسلامة الأسرة من المديونية والضغوط.
المجتمع الذي يربط زواج أبنائه وبناته بالبذخ والضيافة الفوضوية يتسبب في تأخير أعداد كبيرة من الشباب ويساهم في توسيع الفجوة بين القدرة والرغبة. فوضى مناسبات الزواج ليست مجرد هدر مالي، بل هدر للمعنى والقيمة والدلالة، حين تصبح ليلة الزواج أهم من الحياة الزوجية نفسها.
الخلاصة: تشريع لإنقاذ المجتمع
المطلوب اليوم ليس إلغاء الاحتفال، بل تهذيبه وتحديث مفهومه، ووضع مؤشرات تقيس مستهدفات الزواجات البعيدة عن التفاخر. إن التشريع الحكومي الرشيد، إذا جاء متوازنًا ومدعومًا بمبادرات توعوية وحوافز اجتماعية، يمكن أن يصنع تحولًا كبيرًا في ثقافة الزواج، ويعيد المناسبة إلى معناها الأصيل: بداية أسرة لا بداية مديونية، وبناء حياة لا طهبلة ليلة، وفرح مبارك لا سباق مكلف في البذخ والهدر.
آن الأوان أن نقول بوضوح إن الزواج ليس ميدان منافسة اجتماعية، بل ميثاق حياة. كل ريال يُنقذ من الهدر يمكن أن يتحول إلى استقرار، وكل عادة تُرشد يمكن أن تفتح بابًا لزواج ميسر، وكل تشريع عاقل في هذا الباب هو حماية للمجتمع من نفسه، ورحمة بالشباب، وإنصاف للأسر، واستثمار في مستقبل أكثر اتزانًا، خاصة في ظروف اقتصادية جعلت الكثير من الشباب خارج دائرة العمل وخارج الدورة الاقتصادية، وفي ظروف اجتماعية تخيم عليها انخفاض معدلات الزواج وارتفاع معدلات الطلاق.



