أوروبا تعيد النظر في الطاقة النووية: حل أم وهم في مواجهة أزمة الطاقة؟
في ظل موجة صدمة طاقة جديدة تجتاح القارة الأوروبية، يتصاعد النقاش حول إمكانية إحياء الطاقة النووية كحل استراتيجي لمواجهة التحديات الطاقية المتزايدة. مع ارتفاع أسعار الغاز وتكاليف الوقود، تترقب العائلات والقطاعات الصناعية في أوروبا بقلق بالغ تداعيات هذه الأزمة، مما دفع الحكومات والمؤسسات الأوروبية إلى البحث عن بدائل أكثر استقراراً واستدامة.
عودة الطاقة النووية إلى الواجهة الأوروبية
أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في قمة الطاقة النووية الأوروبية الأخيرة أن "الطاقة النووية هي المفتاح للتوفيق بين الاستقلال الطاقي وخفض الانبعاثات الكربونية". هذا التصريح يأتي في وقت تواجه فيه أوروبا أزمة غلاء معيشية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والتضخم، خاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. وتشير البيانات إلى أن أوروبا تستورد أكثر من 50% من احتياجاتها الطاقية، مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وانقطاعات الإمدادات.
من جانبها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إن الحرب كشفت عن "هشاشة القارة الأوروبية في مجال الوقود الأحفوري". وأضافت أن تخلي أوروبا عن الطاقة النووية كان "خطأ استراتيجياً"، حيث انخفض إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية من ثلث الإنتاج في عام 1990 إلى 15% حالياً، مما زاد الاعتماد على الواردات الباهظة.
تأثيرات الأزمة على اقتصادات أوروبية رئيسية
تختلف تأثيرات أزمة الطاقة بين الدول الأوروبية بناءً على مزيج الطاقة المحلي. على سبيل المثال، في إسبانيا التي استثمرت بكثافة في طاقة الرياح والطاقة الشمسية، من المتوقع أن يبلغ متوسط سعر الكهرباء لما تبقى من عام 2026 حوالي نصف سعرها في إيطاليا، حيث يُحدد الغاز سعر الكهرباء في 90% من الأوقات. وفي ألمانيا، التي تخلت عن الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما عام 2011، أدى الاعتماد الكبير على الغاز إلى خفض توقعات النمو الاقتصادي لعام 2026 إلى 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي.
في المقابل، تُعد فرنسا أكبر منتج للطاقة النووية في أوروبا، حيث تُنتج حوالي 65% من كهربائها من هذا المصدر، مما يجعل أسعار الكهرباء فيها أقل بكثير مقارنة بجيرانها. هذا التباين يسلط الضوء على أهمية التنوع الطاقي في مواجهة التحديات الاقتصادية.
حماس متجدد ودعم متزايد للطاقة النووية
تشهد أوروبا حالياً حماساً متجدداً للطاقة النووية، حيث تعيد العديد من الدول تقييم سياساتها في هذا المجال:
- إيطاليا تدرس مشاريع قوانين لإلغاء الحظر الطويل الأمد على الطاقة النووية.
- بلجيكا تغير موقفها بعد سنوات من التردد في الاستثمار النووي.
- اليونان تفتح نقاشاً عاماً حول المفاعلات المتقدمة رغم المخاوف الزلزالية.
- السويد تراجعت عن قرارها بالتخلي عن التكنولوجيا النووية بعد أربعة عقود.
- بريطانيا أعلنت عن تبسيط اللوائح لتطوير المشاريع النووية، مع تأكيد وزيرة الخزانة راشيل ريفز على ضرورتها "لتعزيز القدرة الوطنية ودعم أمن الطاقة".
كما تشير استطلاعات الرأي إلى تزايد الدعم للطاقة النووية في اسكتلندا، حيث يؤيدها غالبية السكان الآن كجزء من إمدادات الطاقة. ولا يخفى على أحد أن فرنسا تظل الداعم الأكبر لهذا القطاع، مع تركيز ماكرون على مزاياها المنخفضة الانبعاثات ودورها في تحقيق الحياد الكربوني.
تحديات وعقبات تواجه إحياء الطاقة النووية
رغم الحماس المتجدد، يجب الحذر من اعتبار الطاقة النووية حلاً سحرياً لأزمة الطاقة الحالية. يواجه تطوير هذا القطاع تحديات كبيرة:
- المشاريع النووية طويلة الأمد ومعرضة لتأخيرات كبيرة، كما يتضح من أمثلة محطتي "فلامانفيل-3" في فرنسا و"هينكلي بوينت سي" في بريطانيا.
- لا تزال مشكلات إدارة النفايات النووية والمخاوف العامة بشأن السلامة قائمة، مع تحذيرات من جماعات بيئية من أن الاستثمار في الطاقة النووية قد يصرف الأموال والاهتمام عن مصادر الطاقة المتجددة.
- اعتماد بعض دول أوروبا الوسطى، مثل المجر وسلوفاكيا، على التكنولوجيا النووية الروسية واليورانيوم يشكل خطراً استراتيجياً إضافياً.
ويحذر كريس أيلت، الباحث في معهد تشاتام هاوس، من أن "الطاقة النووية جزء من الحل، لكن العديد من المفاعلات الأوروبية قديمة وتحتاج استثمارات ضخمة للصيانة". ويضيف أن التحدي الرئيسي يكمن في الحفاظ على الحصة الحالية للطاقة النووية، ناهيك عن زيادتها، مما يتطلب وقتاً وموارد مالية كبيرة.
المفاعلات النووية الصغيرة: أمل جديد أم وعود غير مثبتة؟
سارعت المفوضية الأوروبية إلى تبني مفهوم المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة (SMRs)، التي تعتبر أكثر فعالية من حيث التكلفة ويمكن إنتاجها بكميات كبيرة. كُشف مؤخراً عن حزمة استثمارية بقيمة 330 مليون يورو لدعم هذه التقنية، مع آمال بتشغيلها بحلول ثلاثينيات القرن الحالي. كما أعلنت الولايات المتحدة واليابان عن مشروع بقيمة 40 مليار دولار لتطوير مفاعلات صغيرة، بينما تخطط شركة رولز رويس لبناء مفاعلات في بريطانيا.
لكن على الرغم من جاذبيتها، لا تزال المفاعلات الصغيرة غير مثبتة الجدوى على نطاق تجاري، ولم تُمنح أي تراخيص بناء في الاتحاد الأوروبي حتى أوائل عام 2026. بالإضافة إلى ذلك، يحظى البحث في مجال الاندماج النووي باهتمام أوروبي، لكنه لا يزال في مراحل تطويرية مبكرة.
الخلاصة: الطاقة النووية كجزء من حل طويل الأمد
من الواضح أن الحكومات الأوروبية تنظر إلى الطاقة النووية كجزء من الحل المتوسط إلى الطويل الأجل لأزمة الطاقة، بهدف تحقيق استقلال طاقي أكبر وتقليل الاعتماد على الواردات المتقلبة. ومع ذلك، في الوقت الراهن، لا تزال معظم دول أوروبا تعتمد على الوقود الأحفوري، مما يبرز الحاجة إلى استراتيجيات متعددة الأوجه تشمل أيضاً تسريع تطوير مصادر الطاقة المتجددة.
يرى أيلت أن من مصلحة القارة الأوروبية بوضوح أن تكون أكثر استقلالية في مجال الطاقة، لتجنب التعرض لأهواء المصدرين وتقلبات الأسواق. بينما تبقى الطاقة النووية خياراً مطروحاً، فإن نجاحها يعتمد على التغلب على التحديات التقنية والمالية والاجتماعية، مع موازنتها مع الحلول الأخرى لضمان مستقبل طاقي مستدام وآمن لأوروبا.



